تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأردن في وجه الجهاديين: الكوفيّة المقلوبة والثأر للضحايا

جنود أردنيون يرتدون الكوفية بشكل مقلوب في استعراض عسكري بالعاصمة عمّان في حزيران/يونيو 2015
جنود أردنيون يرتدون الكوفية بشكل مقلوب في استعراض عسكري بالعاصمة عمّان في حزيران/يونيو 2015 صورة مقتطعة من فيديو بثه الديوان الملكي الأردني

يرفع الجيش الأردني من حالة التأهب على حدود المملكة الشمالية مع سوريا، تحسبا لاقتراب جهاديين هاربين من معركة الموصل، التي يشنها العراق ضد تنظيم "الدولة الإسلامية". مشاهدات موفد فرانس 24 ثمين الخيطان من المنطقة الحدودية ولأول مرة منذ إغلاقها الكامل في حزيران/يونيو 2016.

إعلان

نراه جيداً من داخل المقبرة . يقف عند الشريط الحدودي. يخطو بضع خطوات نحو اليسار، ومثلها إلى اليمين، وهو يقرأ كتابا يبدو أنه القرآن. لا خوذة على رأسه رغم حالة التأهب على الحدود. بين الفينة والأخرى، نسمع أصوات مدافع وقذائف على الجانب الآخر، في محافظة درعا السورية. لكن بالنسبة لهذا الجندي، فالأمر صار اعتيادياً منذ خمس سنوات ونيّف.

يمسك بكوفية حمراء وبيضاء، ويثبتها على رأسه مقلوبةً، فتظهر منها البطانة التي يميل لونها إلى الوردي، بينما تختفي الزركشة الحمراء إلى الداخل.

الكوفية المقلوبة
الكوفية المقلوبة جندي أردني على حدود بلاده مع سوريا يعتمر الكوفية المقلوبة، رمز الثأر في العادات العشائرية القديمة. (فرانس 24 - بولين غودار)

ارتداء الكوفية بهذا الشكل يدل على الرغبة في الثأر، حسب عادات عشائرية قديمة في الأردن. وكانت الدولة قد أخرجت هذا الرمز من غياهب النسيان بُعَيْد إعلان تنظيم "الدولة الإسلامية" عن قتله للطيار الأردني معاذ الكساسبة بإحراقه حيّاً، مطلع عام 2015. فبعدها ببضعة أشهر، قام الملك عبد الله الثاني في حفل استعراضي بتسليم راية أسرته الهاشمية إلى جنود من قوات البادية، وهم يرتدون الكوفية المقلوبة. ثم ظهر هذا التقليد في المجتمع الأردني في مناسبات مختلفة.

الكوفية المقلوبة: رمز الرغبة في الثأر
الكوفية المقلوبة: رمز الرغبة في الثأر العاهل الأردني عبدالله الثاني (يمين) خلال حفل تسليم راية الأسرة الهاشمية إلى جنود يعتمرون الكوفية المقلوبة. (صورة مقتطعة من فيديو بثه الديوان الملكي الأردني)

في المقبرة، نرافق آمنة وعائلتها كي تزور قبر ابنها خضر. كان عمره إحدى وعشرين سنة، وكان هو الآخر جنديا في حرس الحدود. لم تمض سوى سبعة أشهر على مقتله، في هجوم تبناه تنظيم "الدولة الإسلامية"، في 21 حزيران/يونيو 2016.

"وصلني الخبر فجأة الساعة ثمانية أو تسعة (صباحا)، وما صدقتش"، تروي لنا آمنة بلهجة شمال الأردن. "جابوه وحطّوه قدامي وما صدقتش إنه ميت. وبعدني لحد الآن بقول إنه بالدوام وبعده عايش".

نسألها عن رأيها في تنظيم "الدولة الإسلامية"، والحرب التي يشارك فيها الأردن ضد هذه المجموعة الجهادية. لا تأبه آمنة بالسياسة. كل ما تعرفه هو أن "داعش مش الإسلام الحقيقي". وتؤكد: "بيقتلوا المسلمين، وهذا ضد الدين الإسلامي (...) صرنا نخاف نطلع من بيوتنا بسببهم". أحد أقاربها جندي في الجيش أيضا. يرافقنا في زيارة المقبرة بزي مدني، ويحثّها: "احكيلهم، قولي لهم إنه إحنا كلنا خلف الهاشميين".

المقبرة على الحدود
المقبرة على الحدود أم الجندي الأردني خضر وشقيقاه يزوران قبره، على بعد أمتار من الحدود الأردنية-السورية. خضر قتل في هجوم لتنظيم "الدولة الإسلامية" على نقطة حدودية. (فرانس 24 - بولين غودار)

في تلك الأثناء، نلاحظ بعض الآليات العسكرية تتحرك. يجب ألا نتأخر في مغادرة المقبرة. فقبل مغيب الشمس، سيأتي الجنود ليطلبوا من الجميع المغادرة. وسيصبح الاقتراب من الشريط الحدودي ممنوعا حتى صباح الغد.

الهجوم الذي قتل فيه الجندي خضر استهدف منشأة عسكرية أردنية في منطقة الركبان، التي لا تبعد كثيرا عن نقطة التقاء حدود الأردن مع العراق وسوريا. السيارة المفخخة أتت من داخل مخيم الركبان، الذي يؤوي أكثر من 75 ألف نازح، بين الشريطين الحدوديين، فيما يسمى "المنطقة الحرام".

"من يقترب من الحدود يعتبر تهديداً"

قبل هذا الهجوم بنحو شهر، كان العاهل الأردني يتحدث في جامعة لوفان الكاثوليكية في بلجيكا، عن أعباء استقبال بلاده لمئات الآلاف من اللاجئين السوريين. "كيف يمكنك أن تمنع امرأة حاملا ومعها طفل من الدخول؟! إنها مسألة أخلاقية. لذا فنحن نستمر باستقبال الناس (اللاجئين) رغم معرفتنا أننا لا نستطيع تحمل تكاليف ذلك"، يقول عبد الله الثاني.

لكن في اليوم التالي لهجوم الركبان، تعلن السلطات الأردنية الحدود الشمالية "منطقة عسكرية مغلقة".

"العالم كله يعرف أن الحدود الأردنية مغلقة، وبالتالي فإن كل من يقترب من الحدود، يعتبر تهديداً"، يؤكد لنا العميد حسّان عناب، قائد أحد ألوية حرس الحدود في الجيش الأردني. غير أن قائد قوات حرس الحدود، العميد سامي الكفاوين، يوضح أن القرار النهائي في كيفية التعامل مع من يقترب من الحدود يعود إلى تقدير الجنود في الميدان.

تلك كانت المرة الأولى التي يسمح فيها الأردن لصحفيين بزيارة الحدود الشمالية منذ إغلاقها بعد هجوم الركبان.

حالة إنكار

نعود إلى عمّان. وبعد يومين، يحدث هجوم آخر في الركبان. هذه المرة، داخل مخيم النازحين. يستقبل الأردن بعض الجرحى، في مستشفى ميداني عسكري قرب الحدود. لكن لا يُسمَح لنا بزيارة المستشفى. نبقى في عمّان. في الشوارع جنود يتلثمون بكوفياتهم ويتمركزون فوق آليات ذات مدافع رشاشة. التأهب الأمني مستمر منذ الهجوم الذي وقع في الكرَك (120 كم جنوب العاصمة)، في 19 كانون الأول/ديسمبر الماضي، وتبناه تنظيم الدولة الإسلامية.

بيان التنظيم بعد الهجوم يحث أتباعه في الأردن على الانطلاق نحو من يصفهم بـ"أعداء الله"، وقتلهم وإحراق ممتلكاتهم. تتبع ذلك موجة من الاعتقالات والتوقيفات، تطال العشرات من أتباع التيار السلفي الجهادي، أو ممن يشتبه بانتمائهم إلى مجموعات متطرفة.

لكن محاربة التطرف في الأردن، تنقصها إستراتيجية رسمية، وتعاني من حالة إنكار، من قبل بعض المسؤولين وفي المجتمع، كما يرى عاملون في مكافحة التطرف. "كيف لنا أن نحارب التطرف إن لم نعترف بوجود التطرف أصلا؟!" يتساءل بتهكم أحد الباحثين في شؤون الجماعات الجهادية .
 

ثمين الخيطان

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن