تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كل شيء عن مرشحكم: فرنسا وهوس "النزاهة"

فنان يصنع مجسمات لمرشحي الانتخابات الفرنسية إيمانويل ماكرون وفرانسوا فيون ومارين لوبان استعدادا لكرنفال نيس
فنان يصنع مجسمات لمرشحي الانتخابات الفرنسية إيمانويل ماكرون وفرانسوا فيون ومارين لوبان استعدادا لكرنفال نيس أ ف ب / أرشيف

"اسمي جان لوك ميلنشون.. ولدت في 19 آب/أغسطس 1951 في طنجة في المغرب. طولي1,74. وزني 79 كيلوغراما. قياس قمصاني 41/42. قياس بنطالي 42. قياس حذائي 42. شعري طبيعي ولا أصبغه". هكذا تحدث مرشح أقصى اليسار جان لوك ميلنشون في تدوينة له تفند بالتفصيل كل ممتلكاته، وتفصل عنوان حسابه المصرفي وامتلاكه لشقة في باريس وبيت في الريف الفرنسي. لا تخفي لكنة المرشح الساخرة على قراء السطور أعلاه. لكنها، على ما فيها من رغبة في الشفافية ممزوجة بانتقاد الإمعان في الغوص بحياة الراغبين بالوصول إلى قصر الإليزيه، باتت ممرا إجباريا لمرشحي الرئاسة في فرنسا.

إعلان

تأتي إجبارية الشفافية، قانونا، عقب قضية وزير الميزانية السابق جيروم كاهوزاك والتعديلات التي أدخلتها على شروط الترشح لمنصب عام في فرنسا. لكن للتمرين أيضا بعدا انتخابيا مباشرا بعد الفضيحة التي طالت المرشح فرانسوا فيون وأرجعته إلى المرتبة الثالثة في استطلاعات الرأي الفرنسية، بعدما كان يحلق بأريحية في المرتبة الأولى.

فتحت فضيحة "بينيلوب غايت" الباب، أكثر من أي وقت مضى، على أحقية الناخب الفرنسي للتفتيش في ثنايا محفظة كل المرشحين. لم يبت القضاء بعد بمسألة الوظائف الوهمية لزوجة فيون، لكن الآلة الحاسبة للإعلام والفرنسيين قامت بدورها، وجمعت بالتفصيل الأموال التي حصلت عليها زوجته والتي تجاوزت 900 ألف يورو بحسب صحيفة "لو كانار أنشينيه"، هذا عدا مرتب ولديه اللذين وظفهما كمساعدين له في الجمعية الوطنية قبل أن يصبحا محاميين.

يوم أمس الأحد أتى دور إيمانويل ماكرون ليؤكد أنه ليس لديه ما يخفيه عن الفرنسيين. "النزاهة" باتت عنوانا ضروريا لمرشح حركة en Marche!،

هناك ما يوحي أن التلويح بخطر يهيمن على الحياة السياسية الفرنسية يجد من يتلقفه بعناية، والخطر هنا لا يتمثل فقط بالقضاء على حظوظ مرشح بالفوز عندما تحوم الشبهات حول أمواله الخاصة أو تمويل حملته، فتلك نتيجة مباشرة. بل هناك ما هو أكثر عمقا تجلى بإخراج نيكولا ساركوزي وإقصاء آلان جوبيه ولاحقا إخراج رئيس الوزراء السابق مانويل فالس من الانتخابات التمهيدية. مع توالي التشكيك والفضائح، تهتز فكرة المرشح الذي يشكل شبكة أمان وضمانة للصورة القوية للدولة بشكل هائل راهنا، ومعها تسير شريحة من الفرنسيين غير راضية عما آلت إليه الأمور، تحس بالتهميش وتكره تجاهل السياسيين لها. باتت تعيش غضبا تنتظر التنفيس عنه، حتى لو كان الانتقام يعني لزاما التصويت لطروحات تحاكي، فرنسيا، شعارات دونالد ترامب الذي يجيب على الأسئلة المستعصية بعبارة واحدة "أمريكا أولا".

هكذا يصبح ماكرون، بعد تخبط فيون، أكثر مرشح حساس لخطر إعطاء انطباع بتهميش هواجس الناس وأسئلتهم، ما يهدد مباشرة بضرب صورته كمرشح نضر و"جديد"، هو الذي لم يقدم بعد برنامجا كاملا لترشيحه ويتكل على زخم حملته المتصاعد. هكذا سارع الأخير للرد على منتقديه والداعين إلى الكشف عن لائحة متبرعيه (مرشح الحزب الاشتراكي بونوا هامون نموذجا)، لكن التمرين الأخير أتى تحديدا بعد اتهامه في كتاب "في جحيم برسي" باستخدام أموال وزارة الاقتصاد والمال لتمويل حملته.

اختار ماكرون "لو جورنال دو ديمانش" لتفصيل التالي: أن المردود الوحيد لبيته هو راتب تقاعد زوجته بريجيت البالغ 2150 يورو إضافة إلى الحقوق التي يملكها من كتابه "الثورة" والذي باع منه 112 ألف نسخة، ما يجعله مستحقا لمبلغ 250 ألف يورو. لكن فريق ماكرون وعبر التشديد على هذه الصورة "الشفافة" لم يفته إبراز معلومة مهمة تعود إلى خانة الرد المباشر على خصومه: جمعت حملة ماكرون ما يزيد عن خمسة ملايين يورو عبر تبرعات تراوحت قيمتها بين 10 يوروهات و500 يورو. "تمرين النزاهة" يكشف أن عدد المتبرعين بمبالغ تفوق 4000 آلاف يورو لا يتجاوز الثلاثة بالمئة من مجمل المتبرعين، وأن الغالبية العظمى من التبرعات لا تتعدى 60 يورو. أي بكلام آخر، يشدد فريق ماكرون أن الأخير ليس مرشح النخبة، ليس مرشح البنوك وباريس كما يتهمه بعض خصومه، بل مرشح الفرنسيين، مرشح من هم بحاجة إلى عدم احتقار أسئلتهم.

هكذا تدعم معطيات التمرين حملة آخذة في الاحتدام لكنها تعلم جيدا أن جماهير ماكرون ـ على اتساعها في الوقت الحالي ـ لا تزال قابلة للتطور صعودا أو التدهور نزولا بانتظار طرح برنامجه كاملا. للمقارنة، لم تجد غريمته مارين لوبان حاجة لخوض تمرين إعلامي من هذا النوع، أقله حتى اللحظة. وفي هذا دلالة واضحة على مسارين مختلفين في هذه الحملة الانتخابية. تختلف أولويات ونقاط ضعف مرشحة الجبهة الوطنية مارين لوبان تماما، لم تهتز قاعدة مناصريها عندما طالبها الاتحاد الأوروبي بإعادة مبلغ 300 ألف يورو تقاضتها زوجة أخيها سابقا من دون أن تمارس الأخيرة مهام حقيقة كما تقول بروكسل. هاجمت لوبان الاتحاد الأوروبي واعتبرت قراره أحاديا. رفضت سداد الأموال. قرر الاتحاد استرجاع المبلغ عبر حرمان لوبان من نصف راتبها. في معسكر لوبان لا حاجة لإجابات مفصلة تطال تفاصيل عائدات عائلتها الضريبية إعلاميا أو إبراز وثائق حول الوظيفة موضوع الخلاف أمام الكاميرات، لأن عماد حملتها بات قائما على محاكاة هواجس ومخاوف الفرنسيين، والإجابة محسومة سلفا عند قاعدتها: "طبعا لا هذه لم تكن وظيفة وهمية". حتى السؤال لصحافي برنامج "لو كوتيديان" عما إذا كان ما قامت به لوبان يعتبر تقاضيا للأموال مقابل "وظيفة وهمية" قابله تدخل حارس لوبان لرميه خارج القاعة. سبق لمارين لوبان أيضا، أن حاولت مواجهة "الهيئة العليا لشفافية الحياة السياسية في فرنسا" قضائيا، بعدما حولت الأخيرة ملفها إلى المدعي المالي واتهمتها مع والدها جان ماري لوبان بتخفيض تقدير قيمة ممتلكاتها أثناء ترشحها لمنصب النيابة الأوروبية عام 2014. مع هذا، لم تمنع النقاط الرمادية هذه لوبان من تصدر استطلاعات الرأي بعد تراجع فرانسوا فيون.

في فرنسا، تستطيع أن تسأل عن قصص الحب والغرام والآراء السياسية وعن الطبخ وكل ما يخطر في البال، غير أن سؤالا من نوع "كم هو راتبك؟" يبقى "التابو" الأكبر. حتى اللحظة تمارين الشفافية وكسر التابو عبر الإعلام، طالت فرانسوا فيون مجبرا، وإيمانويل ماكرون مستبقا، وجان لوك ميلنشون مصرحا متهكما، حتى مارين لوبان ستصبح معلومات عن ممتلكاتها ملكا للعموم بعد التغيرات التي طالت القانون الفرنسي، فعام 2012 مثلا كان على المرشحين تزويد المجلس الدستوري بتصريح عن كافة الأملاك والأموال، ليتم بعدها نشر التفاصيل حول الفائز فقط علنيا. هذا العام، ومن ضمن تبعات قضية كاهوزاك، فإن التصريح عن ممتلكات كل مرشح باتت إلزامية وكلها ستنقل للمجلس الدستوري على أن تتحول علنية منتصف آذار/مارس المقبل. من هنا حتى ذلك الموعد، سيكون مثيرا ومفيدا متابعة كم وتفاصيل "تمارين الشفافية" المرتقبة، لفهم أفضل لما تريد أن يوصله أصحابها للناخب الفرنسي.

 

مايسة عواد
 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.