الموصل

فرانس24 من قلب معركة الموصل: معارك ضارية والمدنيون هم الخاسر الأكبر

فرانس 24

موفد فرانس24 إلى الموصل – يواصل الجيش العراقي معاركه ضد جهاديي تنظيم "الدولة الإسلامية" لاستعادة الأحياء الغربية من الموصل. معارك تجبر آلاف المدنيين للنزوح هربا من ضراوتها. موفدنا إلى الموصل عبد الله ملكاوي يوافينا بشكل دوري عما يجري هناك.

إعلان

أحوال غرب الموصل

تكاد أنفاسهم تنحبس من شدة التعب.. يلهثون مسرعين للخروج مما أدعاه أبو بكر البغدادي "دولة إسلامية في ولاية نينوي."
هم مئات من سكان حي الشقق وحي المأمون.. حوالي ثلاث سنوات عاشوها تحت حكم البغدادي، أما الأيام الأخيرة لهم فيؤكدون أنها مرت عليهم كدهر، ريثما تسنى لهم الإفلات من قبضة تنظيم "الدولة الإسلامية"، في ظل اشتباكات عنيفة دارت بين أفراد الفرقة الذهبية لجهاز مكافحة الإرهاب وأفراد التنظيم داخل أحيائهم وفوق رؤوسهم. وما أن رجحت كفة الفرقة الذهبية التي تلقت أفضل تدريب وتسليح من القوات الأمريكية، حتى هرعوا إلى خارج المدينة يحتمون بالآليات والمدرعات..
اختلطت مشاعر الفرح بالحزن والخوف .. الحزن على من فارقوهم خلال سيطرة التنظيم على الموصل، والخوف مما تخبئه لهم حياة النزوح..

عدد كبير من الأطفال يركضون مذعورين لا يعون بشاعة ما يعيشون ولا ما يحدق بهم في حياتهم الجديدة في مخيمات النزوح.. ففي محيط الموصل نمت خيم النازحين كالفطر، ولا أحد يعلم متى تكون العودة إلى بيوت طالها الخراب وبعضها سُويت بالأرض..

خطر كبير يحدق بالقوات العراقية وبالمدنيين أنفسهم. خطر مصدره الشباب والرجال الذين فروا من رحى القتال، كيف لا ووجوههم تكاد لا تفرقها عن مقاتلي تنظيم "الدولة الإسلامية".. فهذا الأخير كان يجبر الرجال على تطويل لحاهم من جهة، وبعض مقاتليه حاولوا الهروب مع المدنيين أملا في التخفي بينهم بحسب الجيش العراقي.

الحذر والخوف باديان على وجوه أفراد الجيش وحالة من القلق تهيمن على الأجواء.. عند اقتراب الشباب الهاربين من داخل الموصل يطلب منهم رفع ملابسهم العلوية والسفلية أحيانا تحسبا لوجود أحزمة ناسفة، ثم يفتشون عن قرب ويتم التدقيق في هوياتهم، لحظات يعيشها الرجال برعب خانق، كل يحمل هويته، وويل لمن ليست لديه بطاقة هوية، كل الشكوك تحوم حوله. يدخل الضابط الاسم الموجود على البطاقة على جهاز الكمبيوتر النقال ويتأكد من عدم وجود الاسم في قاعدة بيانات أفراد وأعوان التنظيم. قاعدة تعتمد على معلومات تم جمعها من سكان الموصل بالدرجة الأولى. من ثبتت براءته يعبر باتجاه مخيمات النزوح، أما من ورد اسمه في قاعدة البيانات فيخضع لتحقيق مطول ولشهادات متعددة كي لا يكون من وشى به شخص يبغضه. ومن ثم يقدم للمحاكمة يقول الضابط.

تستمر معارك الجنود في الموصل.. ومأساة المدنيين داخل وخارج المدينة..

حرب شوارع بالموصل
قصف جوي عنيف ومروحيات تحلق بكثافة في سماء الموصل وتحاول تحييد مقاتلي تنظيم "الدولة الإسلامية" وسياراته المفخخة التي يزج بها في أرض المعركة كلما زاد الخناق عليه.

فيما بات يعرف بمعركة غرب الموصل يتولى جهاز مكافحة الإرهاب المعروف بقدرته العالية على خوض حروب الشوارع، والمدرب من قبل قوات أمريكية،  أحد المحاور الأمامية غربا، بينما تواصل قوات الرد السريع التابعة للشرطة الاتحادية مهمة التقدم على المحور الآخر في وجه تنظيم "الدولة الإسلامية" لتصبح على مقربة من قلب الموصل من الجهة الجنوبية. أما على المحور الشمالي الغربي فباتت طريق الموصل - تلعفر تحت نيران الفرقة التاسعة مدرعة.

صورة فرانس 24 الموصل

تقدم حذر تسنده المدفعية الثقيلة وطيران التحالف والمروحيات التي تعتمد على إحداثيات القطاعات المتقدمة. إلا أن المعركة تزداد ضراوة كلما اقتربت من قلب المدينة أو ما يعرف بالمدينة القديمة. هناك تنتظر القوات العراقية معركة شوارع ستكون الأشرس دون أدنى شك. فالمدينة القديمة تمتاز بضيق شوارعها وكثرة أزقتها التي ستحول دون دخول الدبابات والسيارات العسكرية الثقيلة، ناهيك عن وجود مئات الآلاف من المدنيين الذين لا زالوا محاصرين هناك ويقبعون تحت وابل من الرصاص ومن تبادل النيران وتحت القصف الجوي. إلا أن عمل الطائرات أيضا سيكون محدودا في المدينة القديمة، وهي إحدى الاستراتيجيات التي يعتمد عليها تنظيم "الدولة الإسلامية" الذي يحاول ما استطاع منع المدنيين من الخروج.

المدنيون، هم الخاسر الأكبر في هذه المعركة. فالبيوت تهدمت أو احترقت وشبح النزوح ينأى بهم عن ديارهم إلى مصير مجهول أفضله مخيمات تعج بالنازحين ممن تمكنوا من الفرار من المناطق المحررة وسط شح المساعدات وصعوبة تقديمها لجل من نزحوا تاركين خلفهم كل ما يملكون، دون الحديث عن تفرق بعض العائلات التي تبدو على ملامحها آثار الرعب من هول ما رأوه من التنظيم من جهة، ومن احتدام المعارك في الجو وعلى الأرض من جهة أخرى.

التقدم بطيء إذاً كلما اقتربنا من قلب المدينة والخوف الأكبر يكمن في المجهول. فالتساؤل الأبرز يدور حول ما يخبئه التنظيم من ورقة أخيرة يلقي بها في رحى المعركة. البعض يتحدث عن امتلاكه سلاحا كيماويا ستكون عواقبه وخيمة على الجميع. أضف إلى ذلك اتخاذه من تبقى من مدنيين دروعا بشرية ستعقد من سير المعركة.

إلى الغرب وفي محيط مدينة تلعفر، على بعد حوالي 70 كلم من الموصل، يحاصر مقاتلو الحشد الشعبي المدينة ويتولون مهمة قطع الطريق الذي يصل تنظيم "الدولة الإسلامية" بمعقله في مدينة الرقة السورية.

فهل يخوض التنظيم معركته حتى آخر مقاتل في الموصل أم أن قياداته بدأت بالفرار نحو الرقة. المجهول إذن يبقى الخطر الأكبر الذي يحدق بالموصل في معركة أتت على كل شيء وتركت مدينة بأكملها أطلالا، ستحتاج إلى سنين لإعادة بنائها.

عبد الله ملكاوي

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم