تخطي إلى المحتوى الرئيسي
سينما

من تونس إلى هوليوود.. من هو المنتج سعيد بن سعيد ؟

المنتج سعيد بن سعيد (يسار) مع المخرج بول فيرهوفن (وسط) والمنتج ميشال ميركت (يمين) بعد فوز  "هي" بجائزة السيزار لأفضل فيلم - باريس في 24 مارس 2017
المنتج سعيد بن سعيد (يسار) مع المخرج بول فيرهوفن (وسط) والمنتج ميشال ميركت (يمين) بعد فوز "هي" بجائزة السيزار لأفضل فيلم - باريس في 24 مارس 2017 أ ف ب

تألق في الأشهر الأخيرة فيلم "هي"، فحصد العديد من الجوائز آخرها قبل أيام في فرنسا حيث فاز بسيزار أفضل فيلم. وراء هذا النجاح يوجد طبعا المخرج الهولندي المثير للجدل بول فيرهوفن، لكن أيضا منتج يقف وراء أفلام نخبوية ويدور في فلك مخرجين متميزين على غرار البرازيلي كليبر ميندونسا فيليو والكندي ديفيد كروننبرغ... فمن هو الفرنسي التونسي سعيد بن سعيد ؟

إعلان

لا شك أن العام 2016 كان الأثمر في مسيرة المنتج التونسي الفرنسي سعيد بن سعيد. فإلى جانب "هي" ELLE ، دخل رئيس شركة "س ب س" SBS للإنتاج المسابقة الرسمية لمهرجان كان بفيلم "أكواريوس" Aquarius للبرازيلي كليبر ميندونسا فيليو. وإن كان بول فيرهوفن غنيا عن التعريف فقد سبق وأن خلق "الفضيحة" بالفيلم الإباحي "الغريزة الأساسية" من بطولة شارون ستون -ويذكره الجميع كمرجع هام طبع ثقافة البوب في القرن العشرين-، فإن كليبر ميندونسا فيليو ينتمي إلى الجيل الشاب والصاعد للسينما العالمية.

هكذا هو سعيد بن سعيد، يراهن على القديم والجديد، على أفلام المؤلف وعلى أعمال موجهة لجمهور أوسع، مع اختيارات مستقلة جريئة من حيث طاقم التمثيل أو المواضيع فيدافع عنها بشراسة وينصت إلى الإرادة الباطنية للمخرجين باحترام منقطع المثيل. فكما أكد المنتج مرارا، إنه يدعم أفلاما يرغب أن يشاهدها محب حقيقي للفن السابع. وربما ما لا يقوله هو أنه ينتج الأعمال التي كان بوده لو أخرجها، فيذكر أن سعيد بن سعيد رسب في شبابه في مناظرة دخول معهد "لا فيميس" (المدرسة الوطنية لمهن الصورة والصوت) للسينما في باريس. هل خسرنا مخرجا كبيرا؟ الإجابة صعبة لكن من المؤكد أننا ربحنا منتجا خارقا.

ولد سعيد بن سعيد في تونس عام 1966 وسافر إلى فرنسا عام 1984 لمتابعة دراسته الثانوية ثم تخرج من أحد معاهد الهندسة. وإن كان تكوينه الأكاديمي بعيدا عن عالم السينما فإنه لم يخمد غرامه بها إذ كان يسلك نهجا موازيا فيتابع مساء دروس جان دوشي (مؤرخ وناقد له اسمه في الساحة السينمائية)، لا سيما حول تيار "الموجة الجديدة" في مكتبة الأفلام الفرنسية cinémathèque française بشايو. كان شابا يلتهم مجلات "كراسات السينما" المرجعية وتجلبه أفلام العمالقة رونوار وأوفولس ومورنو وأوليفيرا وتارتوفسكي وكياروستامي...
 

للمزيد - أفلام بوقع "صفعة" ذهبية في نهاية مهرجان كان

أحد أقارب بن سعيد كان يعيش في باريس وجمع حوله في سبعينيات وثمانينات القرن الماضي ثلة من الأصدقاء، فنانون ومثقفون، على غرار دوشي والمخرج تيشينيه وحتى الكاتب رولان بارت. فهكذا تعرف بن سعيد على دوشي وتيشينيه وغيرهم، ويذكر أن أول فيلم أنتجه هو "بعيدا" لأندريه تيشينيه (2001) والمصور بكاميرا رقمية صغيرة. وسبق أن أكد بن  بن سعيد في تصريحات للصحافة التونسية أن "بعيدا" يبقى الذكرى الكبرى في حياته، في المقابل يقول أن أكبر ندم هو.. غيابه عن تونس خلال الثورة.

كما سبق أن أكد أن ما أسماه "رغبة السينما" تكونت فيه "في تونس قبل ثلاثين عاما وأنه شغف بتجربة "المسرح الجديد" لا سيما عبر مسرحية "غسالة النوادر". ويؤكد اليوم أنه يتابع عن كثب تطورات الساحة السينمائية التونسية والعربية وقال أنه يرغب في أن يفعل شيئا من أجل الشباب التونسي. فتحدثت صحيفة لوموند حتى عن فرضية "مهرجان كان مصغر يقام في الأحياء الشعبية بتونس".

تقاطع توجه المنتج الجامعي بهوايته وبدأ يقترب عمليا من عالم السينما عند دخوله عام 1994 قسم الشراءات في مجموعة أم6 M6 التلفزيونية. وكان ذلك محض الصدفة والموهبة في آن، إذ التقى بن سعيد توماس فالنتان أحد مسؤولي أم 6 في بيت ابن لويس ماسينيون الذي يعتبر من أكبر مستشرقي فرنسا. فأعجب به فالنتان وضرب له موعدا.

بعد تجربته في أم 6 حيث كان يشتري الأفلام والمسلسلات انتقل عام 1996 إلى الاتحاد العام السينمائي UGC إحدى أهم مجموعات الأعمال السينمائية في فرنسا وفي أوروبا. عمل بن سعيد في UGC بقسم المبيعات الدولية ثم أحدث قسما جديدا للإنتاج حيث أنتج أفلاما لأندريه تيشينيه وباربيت شرودر وباسكال بونيتزير وآلان كورنو.
 

للمزيد - مهرجان كان: مخرجون يوجهون أصابع الاتهام إلى النظام الليبيرالي

شكل العام 2010 انطلاقة كبيرة في المسيرة الثرية والدقيقة لسعيد بن سعيد حيث أسس شركته الخاصة "س ب س" التي تميزت بإنتاج مخرجين أدارت لهم السوق ظهرها على غرار الكندي كروننبرغ والفرنسي البولندي رومان بولانسكي والأمريكي براين دي بالما والفرنسي فيليب غاريل والفرنسية الإيرانية ياسمينة ريزا.

في 2014 أنشأ فرع "س ب س" للتوزيع ورغم تنوع الأساليب والتوجهات السينمائية، تؤكد الشركة على وحدة خطها الداعم لفن "متطلب ويمكن بلوغه" في آن. في سنة 2014 أيضا شارك فيلم "خريطة النجوم" لكروننبرغ في المسابقة الرسمية لمهرجان كان، وكانت هوليوود كما قال عامها المندوب العام للمهرجان قد أبعدت عن كان في السنوات الأخيرة وقرر إعادتها إلى الواجهة. يتناول"خريطة النجوم" انحطاط عالم هوليوود فهو عبارة عن لعبة مجازية كبيرة تعكس زيفها وبطشها، فيركز كروننبرغ عدسة مجهره على الجشع والنرجسية والسادية وكل الغرائز التي تطلق لها العنان في عاصمة السينما.

مع "هي" وأكواريوس" شكل العام 2016 منعرجا هاما صار أثناءه اسم سعيد بن سعيد على كل الألسنة لا سيما في كان. فوسط الشبكة الفريدة للشخصيات التي جمعها، والتركيبات التي شيدها والمشاريع التي دفعها، صار المنتج أحد الشخصيات الأكثر تأثيرا في عالم السينما العالمية. فهو الذي اقترح على فيرهوفن أن يقتبس "هي" من رواية "أوه..." للكاتب الفرنسي المثير للجدل فيليب دجيان، على أن يذهب دور البطولة للممثلة إيزابيل هوبار التي كانت في أعلى مستويات الأداء، فكوفئت عبقرية يرهوفن وبراعة هوبار بجوائز السيزار وغولدن غلوب وغيرها.

. بفضل حدسه وذكاءه، قرر بن سعيد عدم الانسياق للذوق المهيمن دون القطع مع عصره. هو الذي ولد في تونس ويعمل اليوم في فرنسا والولايات المتحدة، ويسافر على "طريق النبيذ" الذي يكن له أيضا شغفا كبيرا، فيحيك بفضل حدس يجمع بين الحس والعلم نسيجا راقيا ونفسا متوترا ونظرة فنية قد يرشحه لطبع القرن الـ21 مثلما طبع إيف سان لوران عالم الأزياء.
 

للمزيد - هوليوود تحل في مهرجان كان بأضوائها وعتمتها

ولاقى "هي" و"أكواريوس" ترحيبا واسعا في كان خصوصا في صفوف النقاد. ولم يخطأ بن سعيد مرة أخرى هدفه إذ قرر إنتاج الشريط الطويل الثاني لـميندونسا فيليو "أكواريوس" دون أن يقرأ السيناريو وفقط لثقته في المخرج بحكم لقاءهما وبعد النجاح المدوي لفيلمه الأول "ضجيج ريسيفي". فدون مغالاة عاطفية، يبحث الشريط مسألة الذاكرة والموروث الجماعي، وكأن المخرج يصنع وثيقة نادرة تشهد عبر قصة بطلته التي تتقمصها الممثلة الكبيرة سنية براغا على قلب المستثمرين العقاريين للمشهد البرازيلي لفائدة الأغنياء وسحقهم للطبقة الاجتماعية المتوسطة والمثقفة.

أما "هي" فهو قصة تعلق امرأة (إيزابيل هوبار) بمغتصبها. فرجل الظل سعيد بن سعيد تحدى كل التكهنات بالفشل التي لم تر مصداقية في فكرة إخراج فيرهوفن لـ "فيلم فرنسي" وكل الأصوات المحافظة التي تكهنت بهجمة للحركات النسائية بسبب موضوع الفيلم. زعزع فيرهوفن كان بوقوفه على خط الهشاشة الفاصلة بين الذنب والبراءة وبين العنف والشهوة. وفي كان، صرحت هوبار لفرانس24 أن ما أعجبها في الفيلم هو إمكانية "تقمص أحاسيس متناقضة ومعقدة" في دور "بارد كالجليد وفي نفس الوقت يبهر ويشد". ووصفت هوبار سينما فيرهوفن بالـ"الطموحة" والمصنوعة لتمشي على "حافة شائكة".

وأكدت صحيفة "لوموند" أن سعيد بن سعيد "مشغول بمسؤوليته تجاه الإسلام" وأوضح من جهته المنتج للصحافة التونسية أن أحد المشاريع التي يظن بها هو اقتباس سينمائي لرواية "الفتنة الكبرى" لطه حسين (1953) وأنه اشترى الحقوق. ويتناول الكاتب المصري الشهير في هذه الرواية الأحداث التي وقعت بعد مقتل عثمان بن عفان وخلافة علي بن أبي طالب. وقد يثير الفيلم، في حال أخرج، الجدل إذ يعتبر البعض أن في رواية طه حسين تشويه لسيرة الصحابة ولن تكون تلك المرة الأولى التي تريق فيها أفلام " س ب س" الحبر فكما يقول الشاعر الفرنسي رينيه شار "ما يأتي إلى هذا العالم دون أن يعكر أي شيء ليس جديرا بأي اعتبار أو حلم ".
 

مها بن عبد العظيم

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.