الهند

السلطات الهندية تواصل معركتها الكبرى ضد "إجهاض الأجنة الإناث"

موظفون في الصليب الأحمر الهندي يحملون طفلة وليدة عثروا عليها ملقاة داخل صندوق في 12 يناير 2016
موظفون في الصليب الأحمر الهندي يحملون طفلة وليدة عثروا عليها ملقاة داخل صندوق في 12 يناير 2016 أ ف ب

بعد عثور الشرطة الهندية على 20 جنينا لإناث في المجاري الأسبوع الجاري، تعود للأضواء ظاهرة "الإجهاض الانتقائي" والتخلص من الإناث. وهي ظاهرة تقف وراءها أسباب اجتماعية واقتصادية متعددة ومتشعبة. ورغم محاولات السلطات مكافحة هذه الظاهرة بشتى الطرق الممكنة إلا أنها تظل بعيدة عن استئصالها كليا من المجتمع. فما الذي يحدث في الهند أكبر ديمقراطية في العالم وماذا يدفع الهنود إلى ممارسة "الإجهاض الانتقائي" وأحيانا وأد البنات في عصر كادت فيه الفروق بين الجنسين تتلاشى؟

إعلان
 
تتزايد في الهند مؤخرا ظاهرة "الإجهاض الانتقائي للإناث"، فقد عثرت الشرطة على حوالي 20 جنينا لإناث في المجاري بولاية ماهاراشترا غربي البلاد. وكانت هذه الأجنة ملفوفة في أكياس بلاستيكية وملقاة داخل مجرور بجانب عيادة طبية وأفادت الشرطة بهروب الطبيب المسؤول. وجاء هذا الاكتشاف بعد الإبلاغ عن وفاة امرأة في السادسة والعشرين من عمرها أثناء عملية إجهاض دفعها إليها زوجها لأنها كانت حاملا بأنثى. 
 
وتنتشر ظاهرة التخلص من أجنة الإناث في الهند منذ عقود طويلة. وتعود هذه الظاهرة لأسباب ثقافية واقتصادية وليس لأسباب دينية كما يعتقد البعض. والهند واحدة من أكبر دول العالم سكانا فعددهم يربو على المليار ومئتي وخمسين مليون نسمة ولكن هناك فجوة بين الجنسين لصالح الذكور. فعدد الإناث يقل بسبعة ملايين عن الذكور منهم مليون في العقد الأخير فقط. فالتعداد السكاني للبلاد والذي يجري كل عشرة أعوام أوضح أنه في العام 1981 كان عدد الإناث البالغ عمرهن بين 0 إلى 6 سنوات  962 لكل 1000 طفل ذكر، وفي العام 1991 كان 945 أما العام 2001 فبلغ 927 أنثى.
 
كما أنه يوجد اختلاف بين المناطق الحضرية والريفية ففي الأولى انخفض العدد من 959 إلى 906 بين عامي 1981 و2001 بينما في المناطق الريفية انخفض من 963 إلى 934 في نفس الفترة الزمنية. لكن الإحصاء الأخير العائد للعام 2011 أفاد تحسنا طفيفا في عدد الإناث مقارنة بعدد الذكور، فبحسب هذا الإحصاء فقد بلغ عدد الإناث 940 مقابل كل 1000 ذكر.
 
غير أن دراسة نشرتها مجلة "ذي لانست" الطبية في العام 2011 أفادت أن حالات إجهاض الأمهات الحوامل بإناث تراوحت بين أربعة إلى 12 مليون حالة بين عامي 1980 و2010. ومعظم هذه الحالات تمثل الحمل الثاني للأمهات بعد إنجابهن طفلة في حملهن الأول. ويسمى هذا النوع من الإجهاض "الإجهاض الانتقائي للإناث" لأنه يجري على قاعدة انتقاء جنس المولود وتفضيل الذكر على الأنثى.
 
وعللت الدراسة زيادة "الإجهاض الانتقائي" في الهند بسبب ثقافي وهو تفضيل الذكر على الأنثى إضافة إلى انخفاض معدل الخصوبة بين الهنديات. فمعدل الخصوبة انخفض من 3,8 بالمئة في العام 1990 إلى 2,6 بالمئة في العام 2008. كما أفادت الدراسة بأن هذه الممارسات بين عامي 2001 و2011 قد زادت بنسبة 170 بالمئة إلا أن هذا يعد تحسنا مقارنة بالعقود السابقة والتي كانت تبلغ بها النسبة 260 بالمئة.
 
ويبدو أن عاملي التعليم والثروة كان لهما دور كبير بهذه النتائج، فالأمهات اللاتي ذهبن إلى المدرسة ونلن قسطا من التعليم كن أقل ممارسة لهذه الظاهرة من الأمهات اللاتي لم يذهبن إلى المدرسة. وهو نفسه ما يمكن قوله على الأمهات الغنيات والأمهات الفقيرات فهذه الممارسات تنتشر أكثر بين الأسر الفقيرة. وتزداد هذه الممارسات خاصة في حالة الحمل الثاني بأنثى إذا كان الطفل الأول أنثى أيضا.
 
أسباب الإجهاض الانتقائي
 
ولكن ما الذي يدفع الناس إلى ممارسة قتل الأجنة الإناث وإلقائهن في المجاري بهذا البلد الذي يعد أكبر ديمقراطية في العالم؟
 
فثقافة تفضيل الذكور على الإناث تنتشر بشدة في الهند، ولكن هذا السبب الثقافي ليس كافيا للتمادي والذهاب بعيدا إلى حد قتل الأطفال والأجنة. ولكن هناك بالطبع أسباب اقتصادية تكمن خلف هذه الممارسة الاجتماعية الممقوتة
 
-         الحصول على راتب أكبر: يعد الرجل في الهند مصدر رزق الأسرة الأول ولأنه أيضا يحصل على راتب أعلى من الأنثى على أداء نفس العمل. كما أن الرجال قادرون على تأدية أعمال لا تستطيع المرأة القيام بها خاصة في الاقتصادات القائمة على الزراعة.
-         المهر: كما يشيع في الهند أيضا ظاهرة دفع أسرة البنت مهرا للرجل وأسرته عند الزواج لذا تفضل الأسر الهندية الذكور وتتخلص من البنات خوفا من عار عدم القدرة على دفع المهر مستقبلا.
-         معاش الآباء: عادة ما يتكفل الأولاد في الهند بآبائهن في سن الشيخوخة لذلك عادة ما ينتقل الآباء للعيش مع أبنائهم الذكور بعد الزواج أو يعيش معهم الأبناء مع زوجاتهن، ولأن البنت عادة ما تلتحق بمنزل زوجها يفقد الآباء أي أمل في العيش معهن عندما يبلغن من العمر عتيا. لذا تميل الأسر وخاصة الفقيرة إلى التخلص من البنات في سن الصغر أو أثناء الحمل بهن لأنهن يمثلن عبئا اقتصاديا في تربيتهن وحتى زواجهن دون أن يحققن أية أرباح اقتصادية للأسرة.
 
سياسة الدولة في الحد من هذه الظاهرة:
 
تعمل الدولة في الهند على اتباع عدد من الإجراءات للحد من هذه الظاهرة، ومنها
 
-         الحد من إجراء فحوصات الكشف عن جنس الجنين قبل الولادة وهناك قانون يجرم هذه الفحوصات لكن رغم ذلك لا تزال هذه الفحوصات منتشرة وخاصة في المناطق الريفية الفقيرة.
-         إصدار القوانين التي تجرم الإجهاض الانتقائي وقتل الأجنة
-         القوانين التي تجرم التمييز ضد المرأة وخاصة السيدات اللاتي يرغبن في الاحتفاظ بأطفالهن من الإناث.
-         محاولة التغلب على الصعوبات الاقتصادية عبر منح الأسر الفقيرة التي لديها طفلة أو طفلتان مبالغ مالية تساعدها على تربيتهن وكذلك تساهم الدولة أيضا في مهورهن عند الزواج.
 
ومع كل هذه الإجراءات إلا أن الضغوط الاجتماعية والتقاليد تظل كبيرة على الأسر الفقيرة وتدفعها دفعا إلى الاستمرار في هذه الممارسات المخالفة للإنسانية والقوانين.
 
 
حسين عمارة

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم