هجرة

ملهم وحسن.. شابان سوريان خاضا رحلة اللجوء وصولا إلى مقاعد "السوربون"

الشابان حسن وملهم
الشابان حسن وملهم مهاجر نيوز

ملهم وحسن، شابان سوريان في مقتبل عمرهما، خاضا رحلة اللجوء الخطيرة انطلاقا من حلب، مسقط رأسيهما في سوريا، وصولا إلى فرنسا. حجز الشابان مقعدين في جامعة “باريس 1” حيث يدرسان اختصاص السينما والإخراج. خاض ملهم وحسن تجربة عسيرة أتاحت لهما اكتشاف نفسيهما أكثر، إضافة إلى التعرف على الآخر “الأوروبي”.

إعلان

تعود علاقة الشابين ملهم وحسن إلى أكثر من 10 سنوات، لم يدركا حينها أن الحرب ستعصف ببلادهما وتجبرهما على الرحيل عن مدينتهما حلب التي ولدا وتربيا فيها ولم يعرفا غيرها حتى أجبرا على السفر. “مهاجر نيوز” التقى الشابين في باريس حيث دار حديث حول رحلتهما ومجيئهما إلى فرنسا.

بدأ حسن بالحديث، “في البداية لم نكن نعلم من أين نبدأ، كان يلزمنا جوازات سفر لمغادرة البلاد، ملهم كان باستطاعته الحصول على جواز سفر فأوراقه كاملة، أما أنا فكانت تنقصني ورقة تأجيل الخدمة العسكرية، استمرينا على هذه الحال سنة تقريبا إلى أن أصدرنا كافة الأوراق اللازمة وانطلقنا”.

بداية الرحلة.. طائرة نحو أنطاليا

كلامه كان سريعا ومتراصا، وكأنه يرسم صورة صوتية للرحلة التي خاضها مع صديقه والتي مرت عليهما كالحلم حينا والكابوس أحيانا. “استقلينا التاكسي من حلب مباشرة إلى بيروت، قال لنا السائق إنه علينا أن نبقى في المطار حتى يحين موعد الطائرة”. كانت رحلة الشابين السوريين الحلبيين قد بدأت للتو، كانا جاهزين، أمتعة قليلة تحوي الأساسيات ومبلغ مالي يأملان أن يكفيهما لإتمام الرحلة إلى أوروبا. بات الشابان ليلتهما في مطار بيروت الدولي، وعندما حان الموعد، استقلا الطائرة التي توجهت بهما إلى أنطاليا في تركيا.

يقول ملهم “ضعنا قليلا في أنطاليا، لم نكن نعرف في البداية من أين نبدأ، سألنا السوريين الذين التقيناهم هناك، ثم بحثنا عبر موقع الفيس بوك إلى أن وجدنا مهربا قال إنه مستعد لنقلنا من إزمير إلى إحدى الجزر اليونانية”. استقل الشابان حافلة باتجاه إزمير، لم يضيعا الوقت، توجها إلى منطقة اللقاء التي اتفقا مع المهرب عليها، وضعهما مع آخرين في مركب مطاطي وتوجه بهما إلى جزيرة ميتيليني اليونانية، “دفع كل منا 1100 دولار أمريكي”.

أثناء عبورهم البحر، فاجأهم مركب تابع لخفر السواحل التركي، يقول ملهم “لا أذكر كيف تركونا وشأننا، إلا أنني أذكر أنهم توجهوا إلى البلم (زورق مطاطي) الذي كان خلفنا وقاموا بإحداث ثقب فيه، والناس على متنه يصرخون من الخوف، لا أعلم ماذا حصل لاحقا”.

الحصول على “الخارطية”

على شاطئ ميتيليني استقبلتهم مجموعة من المتطوعين قدمت لهم الطعام والإرشادات حول كيفية الوصول إلى وسط البلد. “مشينا 60 كلم حتى وصلنا وسط المدينة” يقول ملهم، “كان علينا أن نتوجه إلى مركز الشرطة لتسليم أوراقنا والمطالبة بحق اللجوء والحصول على ‘الخارطية‘، وهي ورقة تثبت أننا لاجئون تتيح لنا البقاء بشكل شرعي على الجزيرة”.

بقي الشابان أربعة أيام على الجزيرة، يقول حسن “كنا ننام على الطريق، لم نكن نملك أي أوراق تخول لنا استئجار غرفة في فندق، كانت تجربة صعبة”. استقل الشابان لاحقا باخرة ذاهبة إلى أثينا. ويضيف ملهم “في أثينا استأجرنا غرفة في فندق حيث بتنا ليلتنا الأولى منذ فترة طويلة على سرير وفي غرفة محترمة” يقول ملهم.

وغالبا ما كرر الشابان الحديث عن نومهما على الطرقات وفي العراء طول مدة سفرهما، ما يعكس الصعوبة التي واجهاها خلال المراحل المختلفة من الرحلة.

في اليوم التالي، استقل الشابان حافلة متوجهة إلى الحدود مع مقدونيا. يضيف حسن أنه كان هناك محطة قطارات معروفة في أوساط اللاجئين السوريين، “توجهنا إليها ونمنا مع باقي اللاجئين على السكك الحديدية لنمنع القطار عند وصوله من متابعة المسير وتركنا هناك… توجهنا بالقطار مباشرة إلى صربيا. في بلغراد استقلينا مباشرة باصا آخر متوجها إلى الحدود الهنغارية… هناك أخذنا قسطا من الراحة في مخيم للاجئين وشحنا هواتفنا الخلوية والتقينا ببعض الأشخاص الذين كنا قد صادفناهم في محطات سابقة”.

“دفع كل منا 250 دولار لسائق الشاحنة ليوصلنا إلى بودابست”

يتداخل كلام الشابين حول تفاصيل الرحلة والوصول إلى المخيم على الحدود الهنغارية، تبدأ الصور تنهمر وهما يصفان ما حصل لهما من أحداث لن نستطيع سرد كافة تفاصيلها هنا، “في اليوم التالي، كانت حركة الأمن غير عادية، طائرات مروحية تجوب سماء المنطقة بكثافة، أصوات رجال الأمن والدوريات تملؤ الفضاء، كان علينا التوجه نحو محطة محروقات معروفة كنقطة لقاء، وجدنا سائق شاحنة وافق على نقلنا إلى بودابست مقابل 250 دولار عن كل واحد”.

الهروب من مخيم اللاجئين في ألمانيا

في بودابست استقلينا القطار باتجاه ألمانيا، نزلنا في ميونيخ ونمنا في المحطة مع باقي المهاجرين الذين كانوا معنا على القطار. في اليوم التالي جاءت الشرطة وأخضعونا لفحص طبي، لم نكن نملك خيارا كان علينا أن نوافق. لاحقا رحلونا إلى مخيم للاجئين في فرانكفورت. كان هناك المئات من اللاجئين ممن سبقونا، السوريون هناك لم يتخط عددهم العشرة. قال لنا أحدهم أن معظم اللاجئين هناك يدعون أنهم سوريون بينما هم قادمون من لبنان والعراق والأردن.

يعود حسن ويمسك بزمام الحديث “بقينا في المخيم أربعة أيام، خشينا أن لا يسمحوا لنا بالمغادرة وأن يجبرونا على المكوث في ألمانيا، لم نكن نريد ذلك، في ألمانيا إجراءات اللجوء تمتد على فترات طويلة، لم نكن نريد أن نخسر المزيد من الوقت، فقررنا أن نتصل بخالة ملهم في فرنسا للذهاب هناك، افترضنا أن فرصنا في فرنسا ستكون أفضل. خلال تلك الفترة استكشفنا المحيط، كان مسموح لنا مغادرة المخيم للتبضع، وجدنا أن سوبرماركت “ليدل” ليست بعيدة، وهكذا في اليوم الرابع اتصلنا بزوج خالة ملهم وأعطيناه عنوان ليدل وجمعنا أمتعتنا وخرجنا”.

خالة ملهم تسكن في فرنسا منذ مدة طويلة، هي متزوجة ولديها أربعة أولاد وتسكن إحدى الضواحي الباريسية.

صدمة اجتياز الحدود

بعد السلام والعناق والسؤال عن كل ما قد يخطر ببال مهاجر منذ مدة طويلة عن البلاد والأحوال والأهل، استقل ملهم وحسن السيارة حيث قادهما زوج خالة ملهم عبر الحدود الألمانية إلى فرنسا. عبور الحدود كان بحد ذاته مفاجأة قوية لم يستطع الشابان الصغيران تخطيها حتى الآن. يقول حسن “في بلادنا أن تعبر حدود بلد إلى بلد آخر فأنت بحاجة للكثير من الأذونات والتصريحات والتأشيرات، عدا عن الانتظار عند المكاتب الحدودية لتحصل على الموافقة على دخولك البلد الآخر، أن نكون عبرنا بهذه السهولة فهذا أمر لم أتوقعه أبدا”.

في فرنسا، اكتشف حسن وملهم برنامجا أكاديميا تقدمه جامعة “باريس 1” خاص باللاجئين السوريين مرتبط بتعليمهم اللغة الفرنسية. أرسل الشابان طلبات للمشاركة في هذا البرنامج وبالفعل استطاعا حجز مكان بسهولة نسبيا.

لدى سؤالهما عن الحياة الجامعية يجيب الشابان ببسمة واضحة كم أنها جميلة وكم تمثل بالنسبة لهما فرصة لاتكشاف نفسيهما والآخر في نفس الوقت. بالنسبة لملهم، اللغة “عامل أساسي في التعرف على الآخر وتخطي الحواجز الوهمية التي قد تمنع التواصل بيننا”.

الحياة الجامعية وثقافة الحوار

أتاحت الحياة الجامعية للشابين اكتشاف ثقافة مغايرة. فمن استخدام المواصلات العامة إلى آليات وأساليب التعبير، عبر حسن وملهم عن صدمتهما بادئ الأمر ببعض تلك المظاهر، يقول ملهم “في سوريا مثلا لم نعتد لقاء مثليين جنسيا، الأمر هناك أشبه بالمحرم ويخضع مباشرة لنظريات الأحكام المسبقة، هنا كونا فكرة مغايرة، حتى أنه أصبح لدينا أصدقاء مثليين”. أما حسن فأعطى مثالا مرتبطا بتحية الأفراد لبعضهم، فمن العادات هنا أن يحيي الذكور والإناث بعضهم بقبلتين على الوجنتين، “في سوريا لم نكن نجرؤ في بعض الأحيان على أن نمد أيدينا لنسلم على فتيات، فوجئنا هنا بالقبل والأحضان في بعض الأحيان”. كما أبدى الشابان إعجابهما بعادة القراءة عند الفرنسيين، “حتى وهم يستقلون المواصلات العامة، يقرأون الكتب أو المواضيع المتنوعة عبر شاشات هواتفهم الخلوية”، يقول حسن.

يؤمن الشابان بضرورة الحوار والتواصل بين الأضداد للتوصل لمفاهيم مشتركة، فشكلا مبادرة في الجامعة تحت اسم “خطوة نحو الآخر”، لتعريف الشباب الفرنسيين باللاجئين وأفكارهم وأحلامهم، ولتحفيز اللاجئين على بذل الجهود المطلوبة للاندماج في المجتمع الفرنسي.

عند سؤالهما عن العودة إلى سوريا، يجيب الاثنان بشكل آني وعفوي “نعم” و”لا”، كانت هذه المرة الوحيدة خلال المقابلة التي تتناقض فيها أجوبة الشابين. فبالنسبة لحسن “الحرب لن تنتهي قريبا، وإذا عدت فسيكون علي أن أبدأ من الصفر، لقد بدأت للتو بتكوين صورة عن حياتي المستقبلية، إضافة إلى حياة اجتماعية، لا أريد أن أخسرهما الآن، ربما أعود ولكن ليس الآن”. أما ملهم فيبدأ حديثه بحماس واضح “أود العودة، نعم، أفتقد الناس هناك، سوريا بلدي، ستنتهي الحرب عاجلا أم آجلا، سأنهي دراستي هنا أولا وأرى إلى ما ستؤول الأمور”.

 

شريف بيبي

نشر على موقع "مهاجر نيوز"

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم