تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الانتخابات الرئاسية الفرنسية: دروس دورة أولى تاريخية

أ ف ب

يمثل تأهل إيمانويل ماكرون ومارين لوبان زلزالا يستحق مكانة خاصة في تاريخ الحياة السياسية الفرنسية.

إعلان

هناك لحظات تترك آثارا لا تمحى في الحياة السياسية الفرنسية. من الصعب اليوم معرفة إن كنا سنتحدث في المستقبل عن "23 أبريل/نيسان 2017"، كما نتحدث عن "24 أبريل 2002" أو "10 مايو/أيار 1981"، دون ذكر أية تفاصيل حولها بوصفها تواريخ ذات مرجعية قوية في اللاوعي الجمعي الفرنسي. على الرغم من هذا فالأكيد هو أن الزلزال السياسي الذي يمثله تأهل مرشح "إلى الأمام" إيمانويل ماكرون ومرشحة حزب "الجبهة الوطنية" مارين لوبان، يستحق مكانة خاصة في الحياة السياسية الفرنسية.

في انتظار أن يحسم التاريخ في الأمر، يمكننا أن نؤكد بثقة من الآن بأن المرتبة الأولى التي حصل عليها ماكرون (24,01 %) ستظل واحدا من الاختراقات الانتخابية الأكثر إثارة في تاريخ الجمهورية الخامسة. فسرعة وتيرة الزمن السياسي تنسينا تقريبا بأن المرشح لقصر الإليزيه، الحاضر في كل مكان في المشهد الإعلامي منذ أشهر، كان مجهولا لدى العامة قبل ثلاث سنوات فقط.

انطلاقا من موقف سياسي، يعتبر كثيرون أنه من الصعب فهمه كليا، حاول وزير المالية السابق أن يروج لنفسه بفكرة أنه "ليس من اليمين ولا من اليسار"، واستطاع أن يحقق حلما لطالما راود قائد حركة "موديم" فرانسوا بايرو: أي صعود عَرْض بديل يلتهم الحزبين الكبيرين اللذين يتداولان السلطة، وينتهي بتجاوزهما. خلال انتخابات يطبعها العدد المرتفع للمرشحين المشككين في الاتحاد الأوروبي - بل يمكن القول المعادين للاتحاد- يجب ملاحظة أن المرشح الذي وصل إلى القمة هو الذي أقرّ أكثر من أي مرشح آخر بانتمائه الأوروبي. اتخاذ هذا الموقع سيكون بالتأكيد مفتاح الدورة الثانية.

المرة المقبلة

سيواجه ماكرون منافسته لوبان (% 21,3 من الأصوات) التي تدعو إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي وإلغاء التعامل باليورو. نتائج المرشحة الضعيفة مقارنة بما كانت تظهر استطلاعات الرأي منذ سنة، تنسينا هذه الحقيقة: للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية الخامسة، اجتاز اليمين المتطرف حاجز 20 % في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية.

يبدو أن "الجبهة الوطنية" استنفذت أكبر عدد من أصواتها في الدورة الأولى للانتخابات مع 7,6 ملايين ناخب. لم يعد للخبر حتى المذاق اللاذع للمفاجئة السيئة، كما حصل حين تأهل والدها، مؤسس الحزب، إلى الدورة الثانية من الرئاسيات. إنه فقط الطعم المر لشعور إزاء أمر "رأيناه سابقا".

حتى إن خصوم لوبان قد ينتشون لما يشبه أداء سيئا لليمين المتطرف، الذي كان موعودا بالمرتبة الأولى. سيكون هذا حكما متسرعا على القوة والثبات اللذين حصلت عليهما هذه القوة السياسية التي تتقدم بعد كل اقتراع ويستطيع ناخبوها هذا المساء الشعور بإمكانية أن تكون المرة المقبلة صائبة بالنسبة إليهم.

إنجاز انتخابي

العنصر الآخر الذي يمنح لهذه الانتخابات طابعا خاصا هو بطبيعة الحال إقصاء أكبر حزبين في فرنسا منذ الدورة الأولى، هما اللذان اقتسما السلطة منذ 1958. فقد أبعد الناخبون المرشحَين، اللذين دخلا سباق الرئاسة بعد فوزهما بالانتخابات التمهيدية داخل حزبيهما.

فيما يخص الحزب الاشتراكي، فلا يتعلق الأمر بمفاجأة ما دام بونوا هامون (% 6,36 من الأصوات) كان يبدو متجاوزا خلال استطلاعات الرأي. لكن على مستوى التاريخ القريب لليسار، فيتعلق الأمر بتحول في التوجهات سنرى مستقبلا إن كان دائما: اليسار الذي يتبنى الاشتراكية الديمقراطية انهزم هزيمة نكراء وابتلعه اليسار الراديكالي من جانب والليبرالية الاشتراكية من الجانب آخر.

بالنسبة إلى جان لوك ميلنشون (%19,58من الأصوات) الذي اعتقد خلال الأسابيع الأخيرة أن بإمكانه التأهل إلى الدورة الثانية، فإن الشعور بالخسارة على مقربة من الهدف سيكون صعبا استيعابه بالتأكيد. لكن تقدم مرشح "فرنسا الأبية" في نتائج صناديق الاقتراع هو إنجاز انتخابي في حد ذاته. فقد كسب الجولة الأولى من معركة ابتدأت لتوها: أي زعامة اليسار. وستخبرنا نتائج الانتخابات التشريعية المقبلة، فيما يخص الحزب الاشتراكي، إن كانت هذه مجرد كبوة أم تهميشا سياسيا دائما.

 

لوموند

 

 

إستراتيجيات متناقضة

لدى اليمين فإن إقصاء فرانسوا فيون (%20,01 من الأصوات) هو قبل كل شيء هزيمة شخصية لرجل سياسي أثقلت كاهله القضايا والتسريبات التي كشفت عن نمط عيشه، والذي رفض الانسحاب رغم خسارته الكلية لمصداقيته لدى جزء كبير من ناخبيه. عناده – إصراره كما يقول أنصاره - يهدد أن يدخل هذه الأسرة السياسية الفرنسية في أزمة كامنة منذ بضع سنوات لكن يتم تأجيلها باستمرار بفضل الانتصارات في الانتخابات الوسيطة (المحلية والتشريعية).

سيكون أمام حزب "الجمهوريون" اختياران متناقضان: فيمكنه أن يستمر في نهج خط سياسي "ساركوزي–فيوني"، يقع على طرف اليمين، ويتشبث بمبادئه المحافظة وليبراليته المتحررة من كل العقد فيما يخص الاقتصاد.

ومن جانب ثان يمكنه أن يعيد الارتباط بتقاليد يمين منفتح، لا ينسى أن أغلب نجاحاته الانتخابية تحققت بفضل قدرة المرشح على الحديث مع الناخبين الشعبيين الذين تغريهم "الجبهة الوطنية"، دون القطيعة في الآن ذاته مع خط إيديولوجي، متوافق مع الوسط. هذا الانقسام السياسي يترجم على أرض الواقع من خلال معارضة إستراتيجية، صعدت منذ الثامنة مساء على شاشات التلفزيون ما بين فرانسوا باروان، عضو فريق حملة فيون، ولوران فوكيي، نائب الرئيس المنتدب لحزب "الجمهوريون"، اللذين يتنافسان معا في سباق إدارة حملة الحزب للانتخابات التشريعية. الأول دعا إلى الوقوف كسد منيع أمام "الجبهة الوطنية" بالتصويت لماكرون بينما رفض الثاني أن يدلي بأي توجيهات بالتصويت لناخبي حزبه.

بالنسبة إلى اليمين واليسار اللذين أقصيا في الدورة الأولى، فإن الانتخابات التشريعية ابتدأت في الساعة الثامنة مساء (موعد إعلان نتائج الدورة الأولى). أما بالنسبة إلى ماكرون ولوبان، فيبدأ أطول أسبوعين في حياتهما السياسية. ويبقى للفرنسيين الشعور بأنه مهما كانت هذه الليلة الانتخابية تاريخية، فإنها ليست الأكثر جنونا، مما سيعيشونه هذا العام.
 

نيكولا شابوي - لوموند
اقتباس: محمد الخضيري

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.