تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجزائر: انتخابات مضمونة النتائج غير محسومة العواقب

أ ف ب/أرشيف

يصوت الجزائريون في الرابع من أيار/مايو لانتخاب برلمان جديد هو الأول بعد التعديلات الدستورية التي أعقبت إعادة انتخاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقه لولاية رابعة، انتخابات لا تثير حماس الجزائريين ويتوقع أن تشهد عزوفا كبيرا كمثيلتها التي جرت عام 2012.

إعلان

 عرفت الحملة الانتخابية التي جرت خلال الأيام الماضية، تنافسا بين حزبين رئيسيين يتقاسمان السلطة هما "جبهة التحرير الوطنية"- وهو حزب الرئيس بوتفليقة ورئيس حكومته عبد المالك سلال الذي حصل على بطاقته قبل سنة - ومدير ديوان رئاسة الجمهورية أحمد أويحيي، الأمين العام "للتجمع الوطني الديمقراطي" .

هذا الصراع يؤشر على تحرك واضح في أعلى هرم السلطة من أجل التحضير لما بعد بوتفليقة، صراع يوحي بأن هناك أجنحة متصارعة ولكنها لا تريد التصريح بذلك وتتبنى جميعها برنامج الرئيس بما في ذلك بعض الأحزاب المحسوبة على المعارضة مثل حزب "تاج" للوزير السابق عمار غول وحزب "الحركة الشعبية الجزائرية" بقيادة الوزير السابق عمارة بن يونس.

وهذا الصراع الخفي والظاهر في آن واحد يختلف عما كان عليه الحال في السنوات الماضية حين كان الجميع يعتقد أن الصراع هو بين جنرالات الجيش وبوتفليقة، فالصراع اليوم هو صراع أقطاب تتخذ من بوتفليقة ورقة للتموقع والتقرب من الدائرة الحاكمة، والتي لم تعد ممثلة في جنرالات الجيش وإنما في رجال أعمال ومستشارين نافذين ومسؤولين كبار في الدولة يعتقد الكثير من المقربين من السلطة في الجزائر أن من يشرف على هذه الدائرة الضيقة هو شقيق الرئيس سعيد بوتفليقة الذي يشغل منصب مستشار الرئيس بصفة غير رسمية.

فالجميع يعرف أن هذه الانتخابات لن تغير شيئا في التوازنات داخل نظام الحكم، والتراشق بين ممثلي حزب "جبهة التحرير الوطني" و"التجمع الوطني الديمقراطي" ما هو إلا ذَر للرماد في العيون وأن الجميع يسعى لتهيئة نفسه لما بعد مرحلة بوتفليقة التي لن تنتهي إلا بوفاة الرئيس، فالحديث عن العهدة الخامسة بدأه الأمين العام "لجبهة التحرير الوطني" جمال ولد عباس الذي خلف عمار سعداني بعد جدل كبير، وحتى الأحزاب الصغيرة المحسوبة على المعارضة تدور في فلك السلطة وتؤيد برنامج الرئيس الذي هو الرئيس الشرفي للحزب الحاكم ،حزب "جبهة التحرير الوطني"، وهو ما يجعل ميلاد برلمان متعدد أمر شبه مستحيل.  البرلمان الجديد يراد له أيضا أن يكون برلمانا مؤيدا لما قد يطرأ خلال السنتين المتبقيتين من عمر ولاية الرئيس بوتفليقة ، وقد تكون الحاجة ماسة إلى برلمان لتمرير أية قرارات لها علاقة بالرئيس المقبل للجزائر.

لا شك أن النظام استطاع قصم ظهر المعارضة بإقناعها بالمشاركة في الانتخابات، فلم يغب عن هذا الاستحقاق سوى حزبين هما "طلائع الحريات" لعلي بن فليس رئيس الحكومة الأسبق والذي كان مرشحا للانتخابات الرئاسية الماضية إضافة لحزب جيل جديد برئاسة جيلالي صفيان ، أماً حزبا التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وجبهة القوى الاشتراكية التي أنشأها الزعيم الثوري الراحل آيت أحمد فيشاركان في الانتحابات وهما بمثابة ضمان نسبي للنزاهة التي تنادي بها السلطة لا سيما في منطقة القبائل ، خاصة وأنها عينت أحد المحسوبين على الإسلاميين كرئيس للهيئة المستقلة لمراقبة الانتخابات وهو القيادي السابق في حركة النهضة، تعيين وافقت عليه غالبية الأحزاب واعتبر ضمانة إضافية لحياد العملية الانتخابية. رغم تحفظ بعض الاحزاب التي طالبت بشخصية مستقلة.
 

حظوظ الإسلاميين في هذه الانتخابات

كثيرون يتساءلون أيضا عن حظوظ الإسلاميين في هذه الانتخابات، الأحزاب الاسلامية تكتلت في تحالفين، الأول يضم ثلاثة أحزاب هي حزب العدالة والتنمية وحركة النهضة وحركة البناء الوطني. التحالف الثاني يضم حركة مجتمع السلم وجبهة التغيير.

هذه الأحزاب التي كثيرا ما طعنت في شرعية النظام وانتقدت كل الخطوات التي قام بها عادت لسياسة انتهجتها سابقا، خاصة حركة مجتمع السلم، والقائمة على مبدأ المشاركة في الحكم حتى ولو في ظل نظام لا تتقاسم معه الأفكار والتوجهات ومشروع المجتمع الذي تصبو إليه، ولهذا التوجه الجديد القديم أسباب عديدة أهمها فشل التيارات الإسلامية بعد الربيع العربي وما حصل مع حركة الإخوان في مصر. ضف إلى ذلك محاولة التموقع تمهيدا للمرحلة المقبلة التي تلي نهاية حكم بوتفليقة، غير أن هذا التوجه قد يضرب مصداقية هذه المعارضة التي لم يعد لها قاعدة صلبة خاصة بعد العشرية السوداء في الجزائر ولم تستفد من فشل النظام بل تم استعمالها من قبله بإقناعها بالمشاركة من خلال التحالف الثلاثي الذي كان قائما بينها وبين جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي.

ويبدو أن الهوس بالسلطة تغلب على منطق البقاء في المعارضة رغم أن الأحزاب الإسلامية تعلم أنها لن تفوز بهذه الانتخابات وأكبر ما يمكن تحقيقه هو الحفاظ على مكسبها الحالي وهو 60 مقعدا في البرلمان كأقصى تقدير، كما أن الاحتجاج بالتزوير لن يكون له نفس المفعول بعد التغيرات الحاصلة في جهاز الاستخبارات الذي كان دائما يتهم بضلوعه بذلك ثم إن هبوط أسهم التيار الإسلامي في الجزائر بات واضحا ولم يعد لخطابهم نفس الصدى، بالإضافة إلى العزوف عن التصويت الذي سيكون سمة هذه الانتخابات الذي يصب في صالح ما يعرف بالتيارات الوطنية أي حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي اللذان ينتظر أن يقتسما مقاعد البرلمان، فهما ورغم الانتقادات من يملك أكبر خزان انتخابي بسبب توغلهما في أعماق النظام خاصة الإدارة والجيش والشرطة والنقابات بالإضافة إلى قدرتهما على الحشد عبر كامل التراب الجزائري.

برلمان رؤوس الأموال

البرلمان المقبل لن يختلف عن سابقه وقد يشهد فقط تضييق الهوة بين حزبي السلطة، وإذا كان البرلمان السابق يسمى ببرلمان (الحفافات) أي مصففات الشعر بالعامية الجزائرية، فإن البرلمان الحالي سيكون برلمان (الشكارة) أي أصحاب الأموال، وهو يعكس حالة حزب جبهة التحرير الوطني الذي اتهم ببيع الترشيح والترتيب على قائمة الترشح لأشخاص دفعوا أموالا، ووصلت التهم لتطال أعضاء في الحزب وأفراد عائلات قياديين فيه .

غير أن السمة الأساسية للبرلمان المقبل هي برلمان لا يمثل الجزائريين لأن الغالبية ستقاطع هذه الانتخابات التي تعتبرها دون معنى رغم كل ما قامت به السلطة من ترويج لها وحملات دعائية بدأت مبكرا، ورغم خطاب التخويف الذي انتهجته بعض التشكيلات السياسية باللعب على وتر ما يحدث في بعض البلدان ما سمي بالربيع العربي، ويعتقد البعض أن الجزائريين أصبحوا لايثقون لا في السلطة ولا في المعارضة ويعتبرون أن ما يجري لا يعنيهم وأن الأمور محسومة سلفا وهم في غالبيتهم لا يتأثرون بدعاة المقاطعة والدليل هو غيابهم عام 2012 إذ وصلت نسبتهم إلى 57 بالمائة.
 

عبد الحكيم زموش

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.