تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترامب في باريس: سياسة ماكرون الناعمة لإغواء واشنطن

العلمان الفرنسي والأمريكي خلال العرض العسكري في جادة الشانزيلزيه بباريس. 2017/0714
العلمان الفرنسي والأمريكي خلال العرض العسكري في جادة الشانزيلزيه بباريس. 2017/0714 أ ف ب

تحتفل فرنسا الجمعة بعيدها الوطني، ذكرى اندلاع ثورة 1789، بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي تلقى دعوة خاصة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لشهود مراسم الاحتفال هذا العام. زيارة ترامب فتحت باب التساؤل واسعا عن المغزى منها وعن مواقف ماكرون من ترامب المثير للجدل وإلى ماذا يسعى تحديدا.

إعلان

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره الأمريكي دونالد ترامب لحضورالاحتفالات بالعيد الوطنيلفرنسا في 14 يوليو/تموز وحضور العرض العسكري بجادة الشانزليزيه بباريس.

للمزيد: العيد الوطني الفرنسي: عرض عسكري في باريس بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

لم تأت هذه الدعوة من فراغ، فالرئيس الأمريكي جاء لحضور العرض العسكري الذي يشارك فيه 145 جنديا أمريكيا، وذلك تكريما لذكرى انضمام الولايات المتحدة للحلفاء في الحرب العالمية الأولى العام 1917. وهو تقليد اعتادت فرنسا اتباعه باستقبال دول صديقة للاحتفال بمناسبة ما تأكيدا على عمق الصداقة والروابط التي تجمعها بتلك الدول، ومن هذا المنطلق كانت أستراليا ونيوزيلندا ضيفي شرف للعام 2016 احتفالا بالذكرى المئوية لمعركة سوم.
 

نحو 200 جندي أمريكي يشاركون في العرض العسكري بالشانزليزيه‬‎

ورافقت زيارة ترامب إجراءات أمنية مشددة من الجانبين، فالرئيس الأمريكي ترامب اصطحب معه ما يقرب من ألف عنصر أمني أمريكي مزودين بكافة الأجهزة والمعدات اللازمة لحماية الرئيس، عربات وأسلحة وأجهزة مضادة للتجسس والتصنت وأجهزة تشويش على تفعيل القنابل عن بعد ومضادات للطائرات الصغيرة بدون طيار. ويضاف إلى ذلك نشر السلطات الفرنسية أحد عشر ألف شرطي ودركي وجنود من الحرس الوطني لتأمين الاحتفالات من أية أعمال إرهابية مفترضة.

تتميز هذه الزيارة بأبعاد سياسية عميقة، فالهدف المعلن لها هو توطيد أصر الصداقة وتعميق العلاقات بين البلدين الحليفين. بيد أن أهدافا أخرى قد تكون مستترة خلف الأسباب المعلنة، فالرئيس الفرنسي الشاب إيمانويل ماكرون يريد تهدئة الأجواء بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين خاصة بعد قمة مجموعة العشرين التي شهدت خلافا حادا في وجهات النظر بين واشنطن وبروكسل وبرلين إثر إصرار الولايات المتحدة على موقفها من اتفاقية باريس العالمية للمناخ التي انسحبت منها واتباعها لسياسات مناخية تتماشى مع مصالحها الخاصة.

ماكرون لا يريد "قطيعة" مع الولايات المتحدة تحت إدارة ترامب ويتخذ موقفا مناهضا لسياسات "عزلها" التي يلوح بها الاتحاد الأوروبي وبرلين فهو يفضل سياسة "اليد الممدودة" وجذبها من جديد إلى دائرة المجتمع الدولي الذي تقلقه سياسات ترامب. ماكرون كان على عكس أقرانه الأوروبيين تماما في تعامله مع الرئيس الأمريكي خلال قمة مجموعة العشرين ولم يتوقف عن مرافقته وغمره بالتعليقات اللطيفة وذلك خلافا للمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل التي لم تتردد في مهاجمة ترامب ونقد سياساته كلما سنحت لها الفرصة.

كل تلك الإشارات والتلميحات التي يرسل بها ماكرون إلى ترامب، يشك كثير من الخبراء والمراقبين في فعاليتها تغيير مواقف وسياسات الرئيس الأمريكي البراغماتية (النفعية) التي لا تهدف إلا إلى شيء واحد ألا وهو تحقيق المصلحة العليا للولايات المتحدة بدون مواربة أو حلول وسط مع الشركاء والأصدقاء. فدونالد ترامب السبعيني رجل الأعمال والملياردير لا يفهم إلا لغة واحدة – لغة المصالح وتبادل المنافع – وهو شخصية متقلبة تغير مواقفها دون تردد كما أنه لا يميل إلى الاعتراف بالثوابت التي تحكم العلاقات الدولية، لكنه كان مع ذلك معجبا بالعرض وأبدى سعادته بحضور الاحتفالات بالعيد الوطني الفرنسي ووجه في لفتة ودية الشكر للرئيس الفرنسي على دعوته واستقباله الحار في تغريدة على حسابه بموقع تويتر.

برتران بادي، المحلل السياسي والخبير في العلاقات الدولية، قدر في مقابلة مع موقع "لاندبندان" المحلي أن من الصعب للغاية "تخيل إمكان زحزحة ترامب عن موقفه وتغيير آرائه التي تتميز بالجنون المطلق" على حد قوله. بينما يخالفه الرأي مانويل لافون-رابنوي، مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في حواره مع نفس الموقع، قائلا "يجب علينا في كل الأحوال أن نجد حلولا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، حتى لو كان الأمر معقدا للغاية للاعتماد على السيد ترامب ذي المواقف المتقلبة وغير المتوقعة".

لا جدال في إن العلاقات الأوروبية مع الولايات المتحدة تحت إدارة ترامب أصبحت تمر بصعوبات واضحة في الفترة الأخيرة غير أن واشنطن تظل حليفا لا يستغنى عنه لأوروبا وخاصة لفرنسا، فالملفات التي يجب إيجاد توافق غربي حولها كثيرة ويقع في مقدمتها الأوضاع في سوريا والعراق والخليج العربي والحرب ضد الإرهاب والعلاقات مع روسيا بوتين والمناخ وظاهرة احترار جو الأرض، واللائحة تطول. كل ذلك يفرض قدرا من الحذر وأيضا الذكاء في التعامل مع الفيل الأمريكي ومحاولة إغوائه للبقاء داخل إطار الأسرة دون التضحية بمصالحه الخاصة مع أخذه في الاعتبار مصالح شركائه، وهي الرسائل التي يحاول أن يرسل بها ماكرون إلى ترامب.

زيارة ترامب تأتي بعد شهر ونصف من زيارة أخرى قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى فرنسا التقى بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وتميزت ببعض الفتور على خلفية الاتهامات بمحاولة التدخل في الانتخابات الرئاسية الفرنسية على غرار نفس الاتهامات بالتدخل في الانتخابات الأمريكية. هاتان الزيارتان المتتاليتان تعطيان انطباعا باتجاه السياسة الفرنسية الخارجية للاستعراض على المسرح الدولي وبناء علاقات عاطفية قائمة على علاقات شخصية أكثر من بناء خط سياسي واضح لعلاقات قائمة على احترام متبادل ومصالح مشتركة قوية تتخطى شطحات البعض أيا كان.

هذه الزيارة لم تكن موضع الترحيب والتقدير من بعض الرموز في فرنسا خاصة من اليسار والخضر، مثل جان لوك-ميلنشون زعيم حزب "فرنسا الأبية" الذي صرح قائلا: "ترامب لا أهلا ولا سهلا بك"، ويانيك جادو، المدافع عن البيئة وعضو البرلمان الأوروبي، الذي انتقد الزيارة واعتبر أنها "مكافأة رمزية رخيصة" للرئيس الأمريكي الذي "ضرب بمصالح البشرية وبحالة المناخ عرض الحائط". ويبدو أن هذا هو حال الرئيس الأمريكي في زياراته إلى أوروبا والذي كان مجرد التلويح باستقباله في بريطانيا منذ عدة أشهر مصدرا للجدل والمناقشات والمطالبات بمنعه من دخول البلاد.
 

حسين عمارة

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن