تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التعددية الدينية والعرقية مصدر غنى أم تهديد؟ وجهة نظر الإعلام العربي في المشرق

حسين عمارة

هل التعددية الدينية والعرقية في دول المشرق العربي (العراق وسوريا ولبنان) تمثل غنىًً وثراءً لهذه المجتمعات أم هي مصدر تهديد وخطر على حكم الأغلبيات؟ كيف يتعامل الإعلام في هذه الدول مع واقع التعددية؟ أسئلة حاول الإجابة عنها تقرير "الإعلام والتنوع في دول المشرق العربي" الذي أصدره مشروع "نسيج" وأشرف عليه مركز "الأزمات والدعم" بوزارة الخارجية وشؤون أوروبا الفرنسية.

إعلان

تتميز دول المشرق العربي بتعدد العرقيات والأديان والثقافات وكثرة الأقليات فيها (شيعة، مسيحيون، يهود، إيزيديون، بهائيون، علويون، دروز، إسماعيليون، صابئة، تركمان، سريان، شركس، آشوريون … إلخ) ولا سيما العراق وسوريا ولبنان، وهو ما يفرض نوعا خاصا من التعامل مع هذا التعدد وتلك الأقليات، وحرصا وحذرا شديدا في إدارة التنوع القائم والحاضر بقوة في هذه البلاد وخاصة في وقت تمزق بلدانه الصراعات الطائفية والحروب الأهلية.

وفي هذا الإطار أطلق مركز "الأزمات والدعم" بوزارة الخارجية وشؤون أوروبا الفرنسية العام 2016 مشروع "نسيج" الذي يسعى إلى إقامة حوار متزن ومتوازن عن الشرق الأوسط اعتمادًا على وسائل الإعلام بخصوص القضايا الدينية والعرقية وتقديم نظرة شاملة عن هذه المكونات داخل المجتمع. ويهدف إلى متابعة تناول وسائل الإعلام للموضوعات الدينية والعرقية من أجل المساهمة في إزالة التوتر بين الطوائف والجماعات المختلفة في كل من سوريا ولبنان والعراق.

ويستخدم المشروع عددا من المناهج لتحقيق هذه الأهداف منها: إحصاء المقالات والتحقيقات التي تتناول هذه القضايا بشكل مباشر أو غير مباشر. فحص المصطلحات المستخدمة وحقولها اللغوية ومرجعياتها الثقافية وكذلك الصور النمطية المستخدمة في هذه الوسائل. القيام بدراسات كمية عن تفاعل الجمهور مع كيفية معالجة هذه الموضوعات في وسائل الإعلام.

وقد خرج المشروع بدراسة قد تعد الأولى من نوعها في المنطقة العربية عن "الإعلام والتنوع في دول المشرق"، مكرسة لدراسة المشاهد الإعلامية في لبنان وسوريا والعراق على مدار أسبوعين من شهر مارس/آذار 2017. وأشرف عدد من المؤسسات غير الهادفة للربح العربية والأوروبية على إخراج هذه الدراسة في إطار مشروع "نسيج"، وهذه المؤسسات هي: مؤسسة "أديان" اللبنانية (للدراسات الدينية والتضامن الروحي وتعزيز السلام والتماسك الاجتماعي بين الأفراد والجماعات)، مؤسسة "سمير قصير" اللبنانية (لنشر الثقافة الديمقراطية في لبنان والعالم العربي وتشجيع المواهب الصحفية ونشر الوعي بضرورة احترام الحقوق والحريات) وأيضا الوكالة الفرنسية للتعاون الإعلامي (CFI). واستعرضت نتائج الدراسة فى مؤتمر أقيم في العاصمة اللبنانية بيروت وحضره جمع كبير من الإعلاميين العرب والأجانب ومسؤولي منظمات المجتمع المدني العربية.

{{ scope.counterText }}
{{ scope.legend }}© {{ scope.credits }}
{{ scope.counterText }}

{{ scope.legend }}

© {{ scope.credits }}

غطت الدراسة عددا كبيرا من وسائل الإعلام (المسموعة والمرئية والمقروءة والإلكترونية) في الدول الثلاث بلغ ما يقرب من 33 وسيلة إعلامية تتراوح في توجهاتها بين الرسمية والخاصة (لبنان: تلفزيونات MTV والمنار والجديد، وصحف النهار والأخبار واللواء …إلخ - العراق: فضائيات العراقية والسومرية والشرقية ودجلة وصحف الصباح والمدى ومواقع العالم الجديد وكوردستان 24 …إلخ - سوريا: صحف عنب بلدي وزمان الوصل والوطن وشبكة شام ومواقع راديو الكل وألوان وتلفزيون أورينت … إلخ) وتنوعت المواد الإعلامية التي خضعت للتحليل بين النشرات الإخبارية ومقالات الرأي والمقابلات وتقارير الأخبار.

وركزت الدراسة في مقاربتها لتحليل المشهد الإعلامي على عدد من المعايير المنهجية لتأسيس فهم عميق بالأسلوب الذي تتبعه هذه الوسائل الإعلامية في تعاملها مع المكونات الدينية والعرقية في مجتمعاتها، ومن هذه المعايير: هل تقوم وسائل الإعلام بتغطية كمية متساوية لمجموع هذه المكونات أم أنها تسلط الضوء على مجموعات دينية وعرقية بعينها وتهمش البعض الآخر. المعيار الرئيس تمثل في شفرة الرسالة المقدمة للجمهور وتتلخص في: هل التنوع مصدر غنىً وإثراء أم تهديد للحياة والمجتمع؟ كما عملت الدراسة أيضا على تحليل المنهجية المستخدمة في وسائل الإعلام مثل التنوع أو الإفراد في وجهات النظر، وتناول التقارير الإعلامية للمكونات المجتمعية بالتعميم والتمييز وإظهار الصور النمطية وأيضا الأخطاء المنهجية في استخدام المصطلحات المتصلة بالتنوع الثقافي والديني وكذلك استخدام العناوين المثيرة للجدل والمبنية على أحكام مسبقة أو مغلوطة.

رسالة المواد الإعلامية

بالنسبة للبنان فإن الدراسة وجدت أن النسبة الإجمالية لتعرض الجمهور المتلقي لتصوير التنوع كتهديد أو غنىً تكاد تكون متساوية - 49% مصدر غنى و51% مصدر تهديد - وتقول الدراسة إن هذه الحالة من المناصفة خير تمثيل للواقع اللبناني المتشظي بطوائفه.  

أما في سوريا؛ فوصلت النسبة إلى 85% في توجيه رسالة مفادها أن التعدد هو مصدر تهديد للمجتمع في حين أن نسبة الرسالة المعاكسة - مصدر غنى - كانت 4% فقط. وهو ما يشير بوضوح إلى مدى سوء الأوضاع في سوريا بين مكونات المجتمع خاصة في ظل الحرب الأهلية وإلى سوء تعامل وسائل الإعلام هناك مع عرض ونقل الأخبار والتقارير.

وكان المشهد العراقي مختلفا قليلا، فالانقسام فيه يقع بين طوائف وعرقيات وقوميات ذات حجم كبير (شيعة وسنة وأكراد) الأمر الذي عكس تذبذبا في الرؤى تجاه الأقليات الكثيرة التي تعيش في العراق. ووجدت الدراسة أن 44% من العينة المرصودة اعتبر أن التنوع مصدر تهديد وأن 21% صور التعدد على أنه مصدر غنى لجميع أطياف المجتمع، ومن اللافت أن 35% من المواد الإعلامية كان محايدا في عرضه ولم يقدم التنوع على أنه مصدر غنىً أو تهديد.

مقاربة المواد الإعلامية

منحىً آخر اتخذته الدراسة لتحليل النظرة الإعلامية للتعدد والتنوع وهو استكشاف المقاربة التي انتهجتها وسائل الإعلام تجاه التنوع وما إذا كان التنوع واضحا جليا في رسالتها أم أنها تنتهج سبيل التعميم وتميل إلى نشر الصور النمطية عن الطوائف والعرقيات والقوميات المنافسة.

ورصدت الدراسة عن لبنان ميلا واضحا في وسائل الإعلام إلى التعميم حيث استخدمت 33% مصطلحات معممة بغض النظر عن الرسالة الموجهة للجمهور في حين أن 9% فقط من المادة الإعلامية كان ناجحا في عرض التنوع. والنتيجة المستخلصة هي أن التعميم في وسائل الإعلام قد يشكل عامل خطرٍ عند حدوث الأزمات لأنه يدفع المواطنين إلى اعتبار المجموعات الدينية أو الإثنية كتلة واحدة أحادية.

وفي سوريا وصلت نسبة التعميم ونشر الصور النمطية إلى 30% في مقابل 26% أظهرت التنوع الداخلي للمجموعات. ومن الأمثلة عن التعميم في سوريا تقرير إخباري عن المعارك الدائرة في ريف حماة كرس فيه الصورة النمطية بين أوساط المعارضين عن الشيعة وقتالهم إلى جانب قوات النظام السوري وهو ما يؤدي إلى اختصار المكون الشيعي ككل ووضعه في خانة واحدة مع النظام (http://goo.gl/nG7rMU).

أما في العراق فإن 18% فقط من المادة الإعلامية أظهر التنوع الداخلي في العرقيات والديانات المختلفة بينما انطوى 82% منها على تعميم وتمييز ضد الآخر. كما أ الأخطاء المنهجية في استخدام المصطلحات المتعلقة بالتنوع والتعدد في غير محلها قد بلغ أيضا نسبة عالية وصلت إلى 72%.

الحيادية والمهنية

وقد خلصت الدراسة إلى أن عددا كبيرا من الوسائل الإعلامية في هذه الدول تبعث برسالة سلبية فيما يتعلق بالتنوع وأن هناك ترابطا مباشرا ما بين رسالة "التنوع مصدر تهديد" والأخطاء المنهجية، فبقدر ما تنتهج الرسالة لغة التهديد بقدر ما يعتمد الإعلاميون على معايير وخطوط إرشادية أقل مهنية لإيصال رسالتهم. كما أن الوسائل الإعلامية التي تنشر هذه الرسالة تبدو وكأنها تمثل المواقف السياسية المختلفة بدلا من الإبلاغ والإعلان عنها، وهو ما يضع دور وسائل الإعلام كسلطة مراقبة ومحاسبة للسلطات الأخرى على المحك.

كما قدمت الدراسة عددا من التوصيات للإعلاميين ووسائل الإعلام من أجل معالجة أفضل وأمثل لموضوع التعددية وأيضا لمحاولة خفض التوتر المجتمعي وتجنب صب الزيت على النار وهو ما يضفي المصداقية على هذه الوسائل في تناول الأخبار ويحد من الأخطاء المنهجية والانحيازات الشخصية والأحكام المسبقة. ومن هذه التوصيات توفير وسائل الإعلام لصحفييها ومحرريها تدريباتٍ على المنهجية في تغطية الأمور المتعلقة بالتنوع. نقل الأخبار والوقائع بأمانة مع الشرح والتفاصيل والتوصل لمعايير واضحة لنشر لمقالات الرأي حتى لا تصبح بابا لنشر الكراهية والتحريض على العنف بذريعة حرية التعبير.

وقد أنهى المؤتمر أعماله باختيار أفضل مقالين تقدما لنيل جائزة مشروع "نسيج"، من بين 19 مقالا دخلت المسابقة، تحدثت عن التنوع والتعدد وحقوق الأقليات في دول المشرق العربي الثلاث - سوريا ولبنان والعراق.

حسين عمارة

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.