تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيطاليا: بنك "لا مونتي دي باسكي" مفخرة مدينة سيينا في قلب معركة الانتخابات التشريعية

ساحة النسر في قلب سيينا مركز سباق الخيل
ساحة النسر في قلب سيينا مركز سباق الخيل بن دودمان، فرانس24

يبدو أن الانتخابات الإيطالية العامة المزمع إجراؤها في الرابع من مارس/أذار المقبل ستكون نتيجتها مفتوحة على كافة الاحتمالات، وخاصة في مدينة سيينا ذات النزعة اليسارية التاريخية والتي يواجه فيها وزير المالية، بير كارلو بادوان، منافسة شرسة من اليمين تجعل فوزه محل نظر.

إعلان

تقع مدينة سيينا الإيطالية في قلب إقليم طالما صوت لعقود طويلة للشيوعيين رغم أن قيادتها اليوم تنتمي ليسار الوسط.  فالمدينة نظريا، ينبغي أن تعطي مقعدها في البرلمان خلال الانتخابات التشريعية المقبلة، 4 مارس/أذار 2018، للحزب الديمقراطي الحاكم في إيطاليا. لكن المشكل أن المصاعب التي واجهها في السنوات الأخيرة بنك "لا مونتي دي باسكي دي سيينا" الذي يرتبط تاريخه ارتباطا وثيقا بالمدينة وبالسلطة السياسية فيها، أضعفت كثيرا موقف الحزب الديمقراطي أمام الائتلاف اليميني. هذا الأخير، وأمام المتغيرات الجديدة، يطمع في انتزاع مقعد المدينة والذي كان يعد حتى وقت قصير صعب المنال.

واجهة قصر ساليمبيني، المقر التاريخي لبنك "لا مونتي دي باسكي" في سيينا. (بن دودمان، فرانس24)

 

تأسس بنك "لا مونتي دي باسكي دي سيينا" العام 1472 م، ليكون بذلك أقدم بنك في العالم لا تزال أبوابه مفتوحة إلى يومنا هذا. كما أنه فخر ما يقرب من 56 ألف شخص هم تعداد سكان هذه المدينة الصغيرة.

هذا المصرف الذي تعتبره المدينة إرث الماضي العريق، في الوقت الذي "تكالب" فيه مصرفيو منطقة توسكانا الآخرون على جمع الأموال من جميع أنحاء العالم المسيحي كان "مونتي دي باسكي" يتصرف وكأنه راعٍ رحيمٌ وعطوفٌ.

لكن الراعي العطوف مر بمرحلة اضطراب مالي منذ نهاية العام 2007، تاريخ شرائه بنكا منافسا له في صفقة بلغت قيمتها 10 مليارات يورو، وحتى بداية العام 2017 عندما قامت الحكومة الإيطالية بإعادة تمويل البنك وضخت في شرايينه مبلغا فاق الستة مليارات يورو للاستحواذ على حوالى 70 بالمئة من أسهمه ورأسماله. وهكذا تجنب أهالي سيينا إفلاس مصرفهم العزيز بأعجوبة.

اليوم وبعد مرور عام على هذه الأحداث، من الواضح أن المنتخبين في هذه المدينة ليسوا راضين عن أداء السياسيين في هذا الموضوع وبلغ منهم الغضب مبلغا كبيرا. ولمواجهة مشاعر الاستياء المتزايدة في صفوف السكان قرر الحزب الديمقراطي اختيار وزير المالية بير كارلو بادوان مرشحا له في دائرة سيينا الانتخابية. اختيار لا يخلو من دلالة، فبادوان كان المسؤول عن إنقاذ "لا مونتي دي باسكي".

مناورة لجأ إليها الحزب الديمقراطي كما يرى الصحفي في جريدة "لا ريبوبليكا" أندريا غريكو لإيصال الرسالة التالية "هذا هو الرجل الذي منحكم ستة مليارات يورو لإبقاء مصرفكم على قيد الحياة". غريكو تابع مسيرة هذا المصرف وسقوطه في السنوات العشر الماضية ثم مسلسل الإنقاذ الذي انتشل ثالث أكبر مؤسسة ائتمانية في البلاد من براثن الإفلاس.

بادوان، الموظف السابق في صندوق النقد ومنظمة التعاون والتنمية الأوروبية

يضيف جريكو بأن هذا التأميم الجزئي قوبل بارتياح بالغ من سكان المدينة خاصة أنه ساهم في احتفاظ البنك بمقره التاريخي بقصر (بالاتسو) ساليمبيني. ويتمتع بادوان وزير المالية ومرشح الحزب الديمقراطي في الانتخابات بسمعة حسنة خصوصا خارج إيطاليا، فهو كفؤ وشغل عددا من المناصب الهامة في صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون والتنمية الأوروبية.

بيد أن بير كارلو بادوان، 68 عاما، لديه عيبان رئيسان، الأول: التصاق صفة الغريب به لأنه ليس من سكان توسكانا؛ فسكان المنطقة يطلقون عليه لفظة "فوريستو" وهي كلمة تعني باللهجة المحلية "الغريب"، كما أنه يذكِّر سكان سيينا بأن القرارات الخاصة ببنك "لا مونتي دي باسكي" أصبحت تتخذ الآن في روما. يقول ماوريتسيو كوتا، أستاذ العلوم السياسية بجامعة المدينة، "ربما يكون بادوان قد أنقذ المصرف فعلا ولكن في الحقيقية فإن سيينا هي التي فقدته".

في حي لايغل (النسر) العتيق الذي يعود تاريخه للقرون الوسطى، يواصل "الملوحون بالرايات" تدريباتهم للمشاركة في الباليو القادم، سباق الخيل الشهير الذي يستقطب زوارا من جميع أنحاء العالم. وهم لا يأبهون كثيرا بالانتخابات التي باتت على الأبواب لكنهم سيذهبون للتصويت على أي حال. يقول لنا مدربهم "إنه لمن الضروري أن نقوم بواجبنا الانتخابي حتى لا يذهب أي صوت لأولئك الذين قطعوا الشجرة التي كنا نغرد عليها" في إشارة منه إلى فضيحة "لا مونتي دي باسكي".

اتهامات لليسار باستغلال "لا مونتي دي باسكي"

من وجهة نظره، فإن جميع السياسيين الذين ينتمون ليسار الوسط وشغلوا مناصب مهمة في حكومة الإقليم قاموا بتشجيع المحسوبية والمحاباة. ورغم أن إدارتهم للأعمال في المدينة كانت تلقى القبول لفترة طويلة من بعض السكان الذين استفادوا من التنوع الاقتصادي بالمدينة ومستوى المعيشة الجيد بها، إلا أن سقوط البنك وما تبعه من نتائج سلبية على سيينا والمناطق المحيطة بها أطاحت بهذه المكاسب الصغيرة.

يشرح جوزيبي سيلفيستري الصحفي بجريدة "كورييري دي سيينا" المحلية قائلا "بادوان هو رمز إنقاذ ’لا مونتي دي باسكي‘ من جهة، لكن من الجهة الأخرى لابد من الاعتراف أنه أحد القادة المرتبطين ارتباطا قويا باليسار والمسؤولين  مباشرة عن سقوط البنك".

إيموري بياتسي، يتهم النواب في سيينا بالعتماد كثيرا على "الأموال السهلة" من بنك "لا مونتي دي باسكي". (بن دودمان، فرانس24)

رأي يتقاسمه الكثير من الناخبين في المدينة. أيمور بياتسي، موظف سابق ببلدية المدينة ومالك محل لبيع النبيذ في سيينا، يأسف كثيرا لاعتماد المدينة ولوقت طويل على "الأموال السهلة" الممنوحة من "مونتي دي باسكي". يقول "لم تمثل الأموال لنا أية مشكلة عند تنظيمنا لأي حدث، كنا نعرف أن "لا مونتي" سيدفع لنا. كان البنك يمنحنا مئة مليون يورو سنويا غير أننا لم نستثمرها على الإطلاق وفي النهاية وجدنا أنفسنا مغطين بنسيج اقتصادي مهلهل وعفا عليه الزمن. والمحلات التي تشبه محلي لن تستمر طويلا على قيد الحياة".

لا بوتيغا دي سوليمانو، محل جزارة بوسط المدينة، مالكه، البالغ من العمر 65 عاما، يتفق تماما مع بياتسي ويذهب بعيدا باتهامه السياسيين بأنهم لطالما استغلوا "لا مونتي" واستخدموه "كآلة سك نقود" خاصة بهم، ويلقي باللائمة على "الغرباء" الذين شوهوا ما كان قبل ذلك "مصرفا نموذجيا"، وهو يعني بالتحديد جوزيبي موساري رئيس مجلس الإدارة السابق لمصرف "لا مونتي دي باسكي" والذي تعود أصوله لمنطقة كالابر في جنوب إيطاليا. الجزار العجوز يحمله مسؤولية الصفقة الشهيرة التي جرت العام 2007 واشترى بموجبها "لا مونتي" بنك "أنطونفينيتا" السبب الرئيسي في الأزمة.

مرشح يشعر بالحنين إلى الليرة الإيطالية

كلاوديو بورغي المنافس اللدود لكارلو بادوان، ومرشح الائتلاف الحزبي الذي يجمع حزبه "رابطة الشمال" بحزب سيلفيو بيرلسكوني "فورتسا إيطاليا" وحزب "الإخوة الإيطاليون" الحزب القومي ذي النزعة الفاشية، يقول في اتصال هاتفي مع فرانس24، "إن مونتي دي باسكي نجا من الحروب والأوبئة والمجاعات لكن الحزب الديمقراطي وجد الطريقة المناسبة لتدميره" واصفا إنقاذ البنك بأنه كان "خطوة متأخرة وسيئة التصميم".

من وجهة نظره، فإن التوجيهات الأوروبية هي التي أضعفت القطاع المصرفي الإيطالي وخاصة "لا مونتي دي باسكي". مرشح "رابطة الشمال"، الذي يحن إلى الليرة العملة الإيطالية القديمة، يتهم تحديدا منافسه وزير المالية بأنه خضع تماما لبروكسل بينما كان الآخرون في فرنسا وألمانيا يستفيدون من الوضع لحماية ودعم مؤسساتهم الائتمانية".

يغذي بورغي حملته الانتخابية من الجدل المتصاعد بشأن الهجرة، وخاصة بعد سلسلة من الحوادث التي ضخمها الإعلام وآخرها حادث إطلاق ناشط يميني متطرف النار على عدد من المهاجرين من أصل أفريقي، وهي الحوادث التي جعلت من أزمة الهجرة أحد الموضوعات الرئيسية لهذه الانتخابات، وهو السياق المثالي لازدهار خطاب ماتيو سالفيني زعيم "رابطة الشمال". وفي حالة فوز الائتلاف اليميني في الانتخابات فإن سالفيني وعد بتعيين بورغي وزيرا للمالية وتحديدا محل كارلو بادوان.

بنجامين دودمان

اقتباس: حسين عمارة

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن