تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مصر: الإرهاب في عهد السيسي ... هل الحل الأمني هو الأمل؟

السيسي محاطا بقادة وأفراد القوات المسلحة
السيسي محاطا بقادة وأفراد القوات المسلحة أ ف ب / أرشيف

جدد الهجوم الإرهابي الذي وقع بمدينة الإسكندرية السبت التساؤلات حول فعالية السياسة الأمنية التي انتهجها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال سنوات حكمه الأربع الأولى. فالسيسي الذي من المتوقع انتخابه لفترة رئاسية ثانية، استقى شرعيته من وعوده بمحاربة الإرهاب المستشري في أرجاء البلاد. فهل تمكن السيسي من اقتلاع الإرهاب من جذوره في مصر وهل كانت سياسته الأمنية فعالة في القضاء على هذا الخطر؟

إعلان

شهدت مدينة الإسكندرية المصرية، ثانية أكبر المدن في البلاد، السبت هجوما إرهابيا بسيارة مفخخة استهدف مدير أمن المحافظة وأسفر عن مقتل رجلي شرطة وإصابة آخرين. ويأتي هذا الهجوم قبل يومين من انطلاق الانتخابات الرئاسية التي يتنافس فيها مرشحان هما الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، وموسى مصطفى موسى، وهو ما يطرح العديد من الأسئلة حول فعالية سياسة الرئيس الحالي في الحرب على الإرهاب والتي حصل بفضلها على تفويض شعبي في الحكم.

تاريخ الإرهاب في مصر

للإرهاب جذور عميقة في مصر فهو لم يبدأ مع وصول الرئيس السيسي لسدة الحكم في يونيو/حزيران 2014. ويمكن بشكل ما اعتبار مصر المنبع الأول للحركات الإسلامية السياسية التي تقف وراء الإرهاب وتستخدمه لتنفيذ أهدافها السياسية باسم الدين وهو ما يدفعنا إلى سك مصطلح "الإرهاب المتأسلم أو الإسلاموي" « Islamized Terrorisme »، أي المتدثر برداء الإسلام، خلافا للصفة المنتشرة في الغرب عن إرهاب هذه الحركات والمعروف "بالإرهاب الإسلامي".

مع تأسيس جماعة "الإخوان المسلمون" المصرية في 1928 كجماعة دينية سلمية لها أهداف دعوية ثم دخولها المعترك السياسي للبلاد في الأربعينيات من القرن المنصرم، بدأ استخدام العنف لتحقيق مآرب سياسية، ومع تغلغلها أكثر في نسيج المجتمع المصري وصدامها المباشر مع السلطات اتسعت رقعة العنف وهو ما انتهى بحظر الجماعة في الخمسينيات ومنعها من ممارسة أي نشاط سياسي وملاحقة أعضائها. بيد أن العنف لم ينته، بل على العكسازداد بعد تكوين عشرات المجموعات والتنظيمات المسلحة السرية التي اتخذت السلاح وسيلة لها مثل "التكفير والهجرة"، "الجماعة الإسلامية"، و"الجهاد" وغيرها الكثير من التنظيمات التي انبثق عنها وعن فكرها اليوم عشرات أخرى فاق استخدامها للعنف مستوى أسلافها مثل "تنظيم الدولة الإسلامية" و"القاعدة" و"بوكو حرام".

زادت وتيرة العمليات الإرهابية في مصر في عقود السبعينيات والثمانينات والتسعينيات من القرن الماضي في ظل مواجهة شاملة بين الدولة وتلك الحركات الإسلاموية (الإسلامية السياسية) وكان أهمها اغتيال الرئيس أنور السادات في العام 1981، الهجمات على الأقباط، والهجمات على السياح التي توجت في العام 1997 بحادث معبد حتشبسوت الفرعوني في البر الغربي بمدينة الأقصر جنوبي البلاد والذي أسفر عن مقتل 58 سائحا أجنبيا.

فيما شهد العالم مع بداية الألفية الثالثة أكبر عملية إرهابية، 11 سبتمبر/أيلول 2001، كانت مصر لا تزال تعاني من الإرهاب الداخلي الذي استوعب كثيرا من الدروس خلال مواجهاته مع قوات الأمن في العقود الفائتة وسارع لتغيير تكتيكاته باستهداف رجال الشرطة أنفسهم والضباط المسؤولين عن مكافحة الإرهاب وكذلك مصادر الدخل للدولة المصرية مثل قطاع السياحة؛ فتوالت الضربات على الفنادق والمزارات السياحية في سيناء (طابا 2004، وشرم الشيخ 2005 ودهب 2006) والقاهرة (سوق خان الخليلي 2005).

 

الإرهاب بعد ثورة يناير 2011

سادت الفوضى مصر بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011 وانهيار منظومة الدولة الأمنية المتمثلة في جهاز الشرطة، بيد أن الحوادث الإرهابية في تلك الفترة وحتى بداية العام 2013 انخفض عددها بشكل ملحوظ وانحصرت تقريبا في شبه جزيرة سيناء وركزت في مجملها على الهجوم على خط إمداد إسرائيل والأردن بالغاز المصري. وتميزت تلك الهجمات بغموض الجهة التي تقف وراءها حتى وصل هذا الغموض بالرأي العام المصري إلى إطلاق صفة "الملثم" على مرتكبي هذه الهجمات التي فاق عددها العشرين في عامين فقط، وإن كانت أصابع الاتهام توجه إلى جماعة "أنصار بيت المقدس" التي اتخذت من سيناء مقرا لها في مهاجمة إسرائيل. بالإضافة لعدد آخر من الهجمات التي استهدفت الأقباط ودور عبادتهم. في المجمل بلغ عدد القتلى جراء الهجمات الإرهابية 20 و27 شخصا عامي 2011 و2012 على التوالي طبقا "للمؤشر العالمي للإرهاب".

غير أن إزاحة الجيش الرئيس محمد مرسي عن الحكم في 3 يوليو/تموز 2013 فتح الباب واسعا أمام الهجمات الإرهابية التي قامت بهاتنظيمات غاضبة على ما أطلق عليه انقلابا عسكريا، زعم بعضها انتماءه لجماعة "الإخوان المسلمون" بينما ظلت هوية الآخرين مجهولة. بيد أن التحول الأكبر بدأ عند إعلان جماعة "أنصار بيت المقدس" ولاءها ومبايعتها لتنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق وسوريا وتغيير اسمها إلى "ولاية سيناء" ومنذ ذاك الوقت تسارعت وتيرة الهجمات على كل ما يمثل الدولة المصرية في سيناء ومدن أخرى في الجمهورية.

في 24 يوليو/تموز 2013 خرج الفريق أول ووزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي في خطاب له أمام القوات المسلحة المصرية وطالب جموع الشعب بإعطائه تفويضا في محاربة الإرهاب واجتثاثه من جذوره، وهو ما تحقق في اليوم التالي بخروج جموع غفيرة للشوارع فيما سمي وقتها "مليونية تفويض الجيش" لإعطاء السيسي الضوء الأخضر في شن حرب مضادة على الإرهاب. وتعهد السيسي بالقضاء على الإرهاب قضاء تاما في غضون عدة أشهر أو عامين على الأكثر.

الإرهاب في عهد السيسي

احتلت مصر المرتبة السادسة عربيا والحادية عشرة عالميا على "المؤشر العالمي للإرهاب" للعام 2017، فمنذ وصول السيسي للحكم شهدت البلاد موجة غير مسبوقة من الإرهاب راح ضحيتها 184 و663 و293 قتيلا في أعوام 2014 و2015 و2016على التوالي ومعظمهم سواء من رجال الشرطة أو الجيش بينما عدد الضحايا في صفوف المدنيين وصل إلى 396 مدنيا في عام 2016 وحده. وهذا المؤشر يعتمد في الحقيقة على مقياس مركب لتحديد مستوى تأثير الإرهاب على دولة ما من حيث عدد الضحايا وليس من حيث عدد الهجمات الإرهابية وهو ما قد يعطي انطباعا مغلوطا بانخفاض مستوى الخطر الإرهابي في ذلك البلد بينما الحقيقة هي عكس ذلك تماما.

ورغم الجهود الأمنية المكثفة للتصدي لهذه الهجمات فلا مؤشرات واضحة في الأفق على توفيقها في القضاء على هذه الجماعات الإرهابية نظرا لاتباع الأخيرة تكتيكات وأيديولوجيات متباينة تجعل محاصرتها أمرا عسيراوكذلك خروجها من معاقلها الرئيسية وانتشارها في عدد كبير من المدن.

وتتبع الحكومة المصرية عددا من الإستراتيجيات في مواجهة الإرهاب لخصها تقرير "مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية" الصادر في يوليو/تموز 2017 في النقاط التالية:

Øإستراتيجية "الإنهاء" المتبعة في الداخل وتسعى لتقويض التنظيمات الإرهابية بنزع سلاحها والقضاء عليها بالقوة العسكرية. وهي إستراتيجية قائمة على عدد من المحاور

1. العمل الأمني والعسكري.

2. تشريعات قانونية توفر غطاء شرعيا لعمليات مكافحة الإرهاب، مثل قوانين التظاهر و"الكيانات الإرهابية" و"مكافحة الإرهاب" و"حماية المنشآت العامة وكذلك إعادة تفعيل قانون الطوارئ

Øإستراتيجيات التعامل مع الخطر الإرهابي على المستوى الإقليمي

1. إستراتيجية العقاب المحدود – غارات جوية داخل الأراضي الليبية في فبراير 2015
2. إستراتيجية العطيل والتحييد – قطع طرق الدعم اللوجيستي للإرهابيين على الحدود بين مصر وكل من غزة وليبيا
3. إستراتيجية دعم الحلفاء عبر الحدود – دعم الجيش الوطني الليبي وقائده المشير خليفة حفتر
4. إستراتيجية دعم الاستقرار في إقليم غير مستقر – معارضة تغيير الأنظمة السياسية في سوريا واليمن والعراق

التحديات في مواجهة الإرهاب

ورغم كل هذه الإستراتيجيات التي تتبناها الدولة المصرية في حربها على الإرهاب فهي تواجه كما هائلا من التحديات سواء على المستوى النظري أم التطبيقي، فالدولة المصرية تعتمد في مجمل معالجتها لملف الإرهاب على الحل الأمني (لا صوت يعلو فوق صوت الرصاص) وتتجاهل بقية الحلول السياسية والاقتصادية،وهي تغفل بذلك التطور الحادث في تكتيكات العناصر الإرهابية والتطور النوعي في مجال التسلح واللوجيستيات غير التقليدية وجمع المعلومات. وهكذا تعيد الدولة إطلاقالعمليات العسكرية الواحدة تلو الأخرى للقضاء على الإرهاب الذي يشبه طائر العنقاء الأسطوري في انبعاثه بعد موته من الرماد مرات ومرات.

وطبقا لتقرير مركز الأهرام فإن الحكومة لا تلقي بالا للخبراء والباحثين المدنيين المتخصصينفي الحركات والتنظيمات الإرهابية وتعتمد أكثر على خبراء أمنيين وعسكريين وهو ما أدى إلى غياب آلية مؤسسية شاملة في التعاطي مع ظاهرة الإرهاب والاعتماد على قراءات غير متخصصة ما يحيد بسياسات المواجهة عن هدفها الحقيقي وهو اقتلاع الأفكار لا الأشخاص. وفي هذا الإطار نجد أن المؤسسات الدينية لا تزال خاملة في مواجهة الفكر المتطرف وليس لديها أية آلية فكرية حديثة ومعاصرة للحوار مع الأفكار المتطرفة بل قد نجد أن هذه المؤسسات تلعب دورا في تنفير الشباب من صورة الدين الرسمية.

هل من حل؟

يرتبط الإرهاب بظروف المجتمع الذي تستشري فيه ظواهر العنف، وتتعدد الأوجه والعوامل- أيديولوجية وسياسية واقتصادية ونفعية – التي تقف وراء صناعة الإرهاب وتوفير المناخ الملائم لوجوده، وأخذ هذه العوامل جميعا في الحسبان أثناء التعاطي مع الإرهاب قد يفيد في إيجاد علاج ناجع للظاهرة. وبحسب تقرير الأمم المتحدة عن إستراتيجيتها لمكافحة الإرهاب في العالم فإن تعزيز التدابير الرامية لاحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون يعد الركيزة الأساسية لمكافحة الإرهاب وإيقاف العنف. وهي تدابير تنتقد كثير من المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة غيابها في حالة مصر وتشكك في توافرها هناك في المستقبل القريب.

 

فرانس 24

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن