دبلوماسية

زيارة ماكرون للولايات المتحدة.. العلاقات الفرنسية الأمريكية في أوجها

أ ف ب

رغم خلافاتهما في العديد من القضايا الجوهرية، إلا أن الرئيسين الأمريكي والفرنسي يعتبران أن علاقتهما ممتازة. واستقبال دونالد ترامب الاثنين لنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي يقوم بزيارة دولة للولايات المتحدة، تأكيد على عمق الشراكة التي تربط بين باريس وواشنطن. فيما يلي تحليل لزيارة ماكرون للولايات المتحدة.

إعلان

الاستقبال الحافل الذي حظي به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أثناء زيارته لفرنسا، وحضوره الاحتفالات بعيدها الوطني في 14 يوليو/تموز 2017، ترك لديه "انطباعا مميزا" جعله يعد مراسم استقبال غير مسبوقة لـ"ضيفه" الفرنسي إيمانويل ماكرون، كأول زعيم أجنبي، يقوم بزيارة دولة للولايات المتحدة.. وهو أرقى تعبير في لغة الدبلوماسية.

ولإظهار هذا التقدير تجاه الرئيس الفرنسي، قرر دونالد ترامب دعوة ماكرون الاثنين على حفل تشريفات فاخر يتضمن مأدبة عشاء بماونت فيرنون، مقر إقامة أول رئيس أمريكي، جورج واشنطن. وتحضر العشاء السيدتان الأوليان ميلانيا ترامب وبريجيت ماكرون.

واختيار ماونت فيرنون (جنوب العاصمة واشنطن) رمزي وغير مسبوق، فهو عين المكان الذي زاره عديد المرات الماركيز الفرنسي دي لافاييت [أحد المواطنين الأمريكيين الفخريين الثمانية] لرؤية صديقه القديم والأثير جورج واشنطن المدفون جثمانه هناك. ووصل تقدير دي لافاييت لصداقته بواشنطن حد أنه أهداه العام 1790 مفتاح سجن الباستيل رمز الثورة الفرنسية، وهو الأثر الذي لا يزال إلى اليوم معروضا ومتاحا لزوار هذا المكان.

مراسل فرنس24 محمد سعيد الوافي حول زيارة ماكرون إلى واشنطن

ورحب قصر الإليزيه بهذه العلاقات الوثيقة بين الرئيسين.وتهدف زيارة الدولة التي يقوم بها ماكرون بين 23 و25 أبريل/نيسان الجاري إلى إثراء تلك العلاقات وتعزيز التقارب الأمريكي-الفرنسي حيث تقول سيليا بيلان، أستاذة العلوم السياسية والباحثة المختصة في العلاقات عبر الأطلسي بمعهد بروكينغز في واشنطن: "تتميز العلاقات الأمريكية الفرنسية بالتقلب، فهناك لحظات يصل فيها التفاهم المشترك لأقصى درجاته، بينما هناك أخرى تشهد اختلافات جذرية كما حدث في العام 2003 حول الحرب في العراق. والآن وصلنا إلى قمة العلاقات الأمريكية الفرنسية". وتشير الباحثة إلى أن الرئيسين يتحدثان دوريا بالهاتف، "حوالي مرة كل أسبوع، وهو أمر غير معتاد من جانب ترامب الذي لم يتحدث على سبيل المثال مع أنغيلا ميركل لأكثر من خمسة شهور".

الأسباب وراء هذا التفاهم ترجع، كما تفسر سيليا بيلان، إلى النقاط المشتركة بينهما " إذا كنا نعتقد أن كل شيء يفرق بين الرجلين: مثقف كبير مناصر لأوروبا موحدة وليبرالية مقابل رجل أعمال قومي وحمائي، لكن الأمور تسير على أحسن حال بينهما، فكلاهما من خارج الأوساط السياسية العريقة في بلديهما، وكلاهما تمكنا من الوصول للسلطة بعد قلب المعادلات السياسية والإطاحة بالنخب السياسية القديمة في حين أن أحدا لم يراهن أبدا على فوزهما. وبفضل هذا النجاح المتبادل والمتحقق على المسار الشخصي يكن كل منهما الاحترام والتقدير للآخر".

تحالف عسكري

سبب آخر مرتبط بسياق الوضع الدولي قد يفسر هذا التقارب بين الرجلين كما ترى سيليا بيلان: "في الوقت الراهن صار لفرنسا دور محوري في العديد من القضايا المهمة بالنسبة للولايات المتحدة. والعكس كذلك: إيران وسوريا والمناخ والصين وروسيا ...". وستكون كل هذه الموضوعات على قائمة جدول محادثات الرئيسين كما كشف قصر الإليزيه.

موفدة فرانس24 إلى واشنطن عزيزة نايت سي بها: لقاء التناقضات بين ماكرون وترامب

وعلى الصعيد العسكري كان التقارب الفرنسي من الأمريكيين أكثر، خصوصا منذ التدخل العسكري الفرنسي بمالي في عهد فرانسوا هولاند. والمثال الأخير على هذا التقارب كانت المشاركة الفرنسية في الضربات التي استهدفت ثلاثة مواقع للأسلحة الكيميائية في سوريابتاريخ 14 أبريل/نيسان الجاري. سيليا بيلان تشدد قائلة: "فرنسا اليوم هي الحليف (الأوروبي) الرئيسي على الصعيد العسكري للولايات المتحدة. كان ذلك هو موقع البريطانيين من قبل، لكنهم الآن منطوون أكثر على أنفسهم بعد البريكسيت".

لتضيف "الفرنسيونأبدووا استعدادهم لمشاركة الأمريكيين عبء الحرب على الإرهاب. وهي الصورة التي ظهرت بها فرنسا بشكل تدريجي خاصة بعد تدخلها في مالي والعراق ثم سوريا من بعد. وفي الوقت الذي لا يكف فيه ترامب عن انتقاد الأوروبيين لعدم بذلهم جهودا واستثمارات كافية في مجال الدفاع، تخرج فرنسا وتظهر العكس تماما".

وخلال هذه الزيارة الرسمية، مواعيد ولقاءات على برنامج الرئيس الفرنسي لتأكيد تاريخ هذا التعاون العسكري: في 24 أبريل/نيسان سيزور مقبرة آرلينغتون العسكرية ويضع إكليلا من الزهور على قبر الجندي المجهول. كما سيقوم أيضا بتكريم عدد من قدامى المحاربين الأمريكيين في الحرب العالمية الثانية.

ملفات خلافية

وبالرغم من أن زيارة الرئيس الفرنسي إلى واشنطن تجرى وسط أجواء من الحفاوة، إلا أن ذلك لا يقلل من تباين وجهات النظر بين الجانبين في العديد من القضايا، مثل اتفاقية المناخ وإيران وفرض الولايات المتحدة رسوما جمركية على الصلب والألومنيوم.

ويتعامل الإليزيه بحذر مع النتائج المتوقعة من هذه الزيارة في هذا الشأن، حيث لا ينتظر تغيير جذري لمواقف الرئيس الأمريكي، ولكن يأمل ماكرون على الأقل إحراز تقدم في العديد من الملفات.

فيما يتعلق بملف المناخ على سبيل المثال، تواصل فرنسا جهودها في توضيح المخاطر المترتبة على الاحتباس الحراري والتي يشكك فيها دائما الرئيس الأمريكي.

ولكن الخلافات حول هذا الملف لا تمثل عائقا كبيرا أمام العلاقات بين البلدين، كما تقول سيليا بيلين، لأن فرنسا تعول كثيرا على مؤسسات المجتمع المدني الأمريكية والتي أظهرت التزاما كبيرا حيال تلك القضية، مثل تحالف المدن والمؤسسات"We are still in".

وسيخاطب الرئيس الفرنسي المجتمع المدني الأمريكي حول ملف المناخ، خلال لقائه مع طلاب جامعة جورج تاون في واشنطن الثلاثاء 25 أبريل/نيسان، منتهزا الفرصة للتعبير بحرية أكبر عن آرائه المتباينة مع دونالد ترامب.

الملفان الإيراني والسوري، هما أكثر ما يعقد العلاقات الثنائية، لارتباطهما بالوضع الأمني في فرنسا، كما تقول سيليا بيلين: "الرئيس الأمريكي مثلا أعرب عن رغبته في سحب القوات الأمريكية من سوريا فور انتهاء القتال ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" غير أن فرنسا لديها مصلحة في إقرار حد أدنى من الاستقرار في تلك المنطقة".

لتضيف "ويبقى الملف الإيراني الأكثر إلحاحا لقرب الموعد الذي سيعلن فيه ترامب ما إذا كان سيواصل رفع العقوبات عن طهران أم سيعيد فرضها مجددا وذلك قبل يوم 12 مايو/أيار المقبل. فإذا قرر ترامب إعادة فرض تلك العقوبات، فسيكون ذلك عمليا إعلانا لفشل الاتفاق النووي مع إيران. وذلك يتعارض مباشرة مع المصالح الفرنسية".

ووفقا للإليزيه، فالموقف الأمريكي المتعلق بتلك المسألةغير مشجع، بالرغم من المحادثات البناءة بين واشنطن وباريس.

وبالرغم من أن العلاقات الفرنسية الأمريكية في الوقت الراهن متميزة، إلا أنها تظل "هشة"، وترتبط بشكل كبير بالحلول التي يمكن التوصل إليها خلال الستة أشهر المقبلة حول الملفات الاستراتيجية الرئيسية.

وبعيدا على العلاقات الدبلوماسية، تشكل زيارة ماكرون لواشنطن، فرصة لتعزيز صورته كقائد على الساحة الدولية، ولتقديم نفسه مباشرة للأمريكيين.

ومن المقرر أن يلقي الرئيس الفرنسي خطابا الأربعاء باللغة الإنكليزية يستغرق 30 دقيقة أمام الكونغرس الأمريكي في جلسة مشتركة لغرفتيه، على غرار العديد من الرؤساء الفرنسيين، كفرانسوا ميتران وجاك شيراك ونيكولا ساركوزي.

وعبر كلمته، سيخاطب ماكرون البرلمان لا الرئيس الأمريكي، ومن خلاله، الأمة الأمريكية بأكملها، متحدثا حول الديمقراطية والقيم المشتركة والصداقة التي تجمع بين البلدين.

 

اقتباس: شيماء عزت وحسين عمارة

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم