مهرجان كان 2018

تنظيم "الدولة الإسلامية" على جبهة مهرجان كان!

مشهد من فيلم "بنات الشمس" للفرنسية إيفا هوسون
مشهد من فيلم "بنات الشمس" للفرنسية إيفا هوسون Maneki films/khatia ( juda ) Psuturi

يشارك المخرج التونسي محمد بن عطية بفيلمه الطويل الثاني "ولدي" في قسم "أسبوعا المخرجين" بمهرجان كان، ويتطرق فيه إلى مسألة تفكك عائلة بعد انضمام ابنها إلى تنظيم "الدولة الإسلامية". أما الفرنسية إيفا هوسون فتنافس على السعفة الذهبية بفيلمها الطويل الأول "بنات الشمس" وهن مقاتلات كرديات يحاربن التنظيم المتطرف.

إعلان

موفدة فرانس24 إلى مهرجان كان

تبنى تنظيم "الدولة الإسلامية" مساء السبت هجوما بالسكين خلف قتيلين (بينهم المعتدي) وجرحى في باريس. أصداء مثل هذا النبأ الذي أصبح العالم يعيش على وقعه، ترددتها أيضا أفلام الكروازيت، فطبعها شبح الإرهاب الذي يخيم على بلدان مختلفة.

بعد "المصنع التونسي"، عرض فيلم "ولدي" للمخرج محمد بن عطية في قسم "أسبوعا المخرجين" بمهرجان كان 2018. وكان الفيلم الأول لبن عطية، "نحبك هادي"، قد لاقى نجاحا واسعا إذ فاز بجائزة أفضل أول فيلم في مهرجان برلين السينمائي عام 2016 وكوفئ بطله الممثل مجد مستورة بـ"الدب الفضي".

ينجح "ولدي" في إظهار مدى الخراب والرعب الذي يزرعه تنظيم "الدولة الإسلامية" لكن ليس ميدانيا بل داخل أسرة من الطبقة المتوسطة تعيش في العاصمة التونسية. فلا نرى علم التنظيم الإرهابي الأسود ولا معارك ولا شعارات جهادية، وهو ما يزيد قوة الفيلم في بحثه النفسي والاجتماعي تأثيرا في المشاهد.

رياض ونزلي (أداء منى مستورة والدة مجد) زوجان يقاربان سن التقاعد، تدور حياتهما حول شؤون ابنهما الوحيد سامي الذي يحضر لاجتياز امتحان الباكالوريا. يصاب الشاب بصداع متكرر يثير قلق أهله، فيبذل الوالدان كل ما في وسعهما للتخفيف عنه، مرجحَين أن الأمر يعود لمخاوف بشأن الامتحان. فجأة، يختفي سامي تاركا لهما رسالة تفيد بأنه ذهب للقتال في سوريا.

لا تدور أحداث "ولدي" في الرقة أو في الموصل ولا في أي معقل من معاقل التنظيم المتطرف... بل في العاصمة التونسية. تنقلب حياة الزوجين رأسا على عقب مع اختفاء الشاب، ويباغت معه المشاهد الذي لا شيء يهيئه لمثل هذا المصير. فالعائلة تبدو "عادية": شقة بسيطة تزين شرفاتها النباتات، تتسوق في المحلات التجارية، سامي يمارس الرياضة ويذهب لحفلة أحد الأصدقاء.

وقدر تقرير من العام 2017 أن نحو سبعة آلاف تونسي يقاتلون في صفوف التنظيم المتطرف في العراق وسوريا وليبيا. وأكد محمد بن عطية لفرانس24 أن الفيلم لا يتناول مسألة تنظيم "الدولة الإسلامية"، بل يشكل الأخير "الخلفية" التي تفجر الأزمة. ويتابع: "حياة نزلي ورياض تقتصر على الاعتناء بابنهما فحين اختفى انهار كل شيء". يكتشف الزوجان تدريجيا وكل على طريقته أن لا روابط قوية باستثناء الاعتياد الروتيني ولا مراكز اهتمام أخرى تشدهما إلى الحياة التي كان يملأها سامي والتخمين في مستقبله.

يسعى رياض إلى السفر إلى سوريا للبحث عن ابنه، فتنتهي رحلته عند الحدود التركية إذ كان سفره فرصة لمواجهة حقيقة واقعه والتأمل في ماهية حياته وفي مفهوم السعادة. يتحول الأب من مسائل للأمنيين والفنادق ووكالات السفر إلى متسائل عن معنى وجوده. الفرد وحريته من أهم ما يبرز من أفلام المخرج التونسي الذي يحول قضايا المجموعة إلى محور الشخص على عكس أغلب السينمائيين.

ويوضح محمد بن عطية لفرانس24 أن المجتمع يمارس العديد من الضغوط على الشباب "فيوهمه بأن مفهوم السعادة مرتبط بالدراسة وبالزواج وإنجاب أطفال". وكان في فيلمه "نحبك هادي" قد صور "الانفجار" الداخلي أو الثورة الفردية التي تطرأ في حياة شاب سطرت عائلته كل تفاصيل مستقبله. وهاهو يعود في "ولدي" إلى ذلك السرد البسيط والقوي، لعالم نفسي معقد وعلاقات تتسم بنقص التواصل في بيئة ضيقة الأفق.

يقول بن عطية إنه استوحى الفيلم من قصة واقعية، في وقت كانت فيه العديد من العائلات في تونس "تفقد" أحد أبنائها بعد التحاقهم بخلايا جهادية، فكانت شهادات الأهل تتواتر في وسائل الإعلام. وأوضح المخرج أن شهادة أب قد طبعت ذهنه بصفة خاصة "فكان يروي قصته بصفة موضوعية ويدلي بكثير من التفاصيل عن رحلة البحث عنه" وتابع أن الوالد كان يكرر بانتظام كلمة "ولدي" ("ابني" بالعامية التونسية).

يفكر العديد أن دوافع الذهاب للجهاد تكمن في الفقر وتلقين الشباب إيديوليجيات دينية، لكن بن عطية سعى إلى سبر أسباب "أعمق وأكثر تعقيدا" متجذرة في مجتمع ينهكه "البأس العاطفي والجنسي والروحي" كما يقول. مقارباته مخيفة فهي تضع أمامنا مرآة فاضحة، وتقيم معادلات تكشف غياب الهدايا بين زوجين، والعجز عن التعبير عن المشاعر، وفراغ في حياة شباب ينفر من فكرة السير في خطى المثال الأبوي المفرغ والمنحصر بين العمل وتهيئة الغذاء. هل هذه هي السعادة ؟ ويتابع بن عطية أن تنظيم "الدولة الإسلامية" يقول إن "السعادة غير موجودة وإنها وهم ...وهو ما يريح الشباب".

قال المخرج عقب عرض الفيلم إن "نحبك هادي" كان يحمل "جانبا سياسيا أكثر فورية" من "ولدي". فليته بقي على نفس التكتم الذي جعل الفيلم الأول ذروة في الاختناق الخلاق، ففي "ولدي" العديد من المقاطع، على غرار مشاهد من حلم يلتقي فيه رياض بسامي، التي تثقل السرد وتحل الحبكة.

في حين تناول محمد بن عطية خلفية الديكور "الداعشي" (نسبة إلى تنظيم "الدولة الإسلامية")، ذهبت المخرجة الفرنسية إيفا هوسون إلى ساحة المعركة. يشارك فيلمها "بنات الشمس" في المسابقة الرسمية، وفيه أيضا تبحث أم عن ابنها. في كردستان العراق، تقود بهار (من أداء الممثلة الإيرانية غولشيفته فرحاني) معسكر "بنات الشمس" وهن مقاتلات يستعدن لتحرير مدينتهن من أيادي تنظيم "الدولة الإسلامية" الذي قتل زوجها وأهلها وجيرانها ثم اختطفها وابنها.

بعد أن تهرب هوسون من جلاديها، تسعى مع "جندياتها" إلى الدفاع عن نفس القضية: المرأة والحياة والحرية. ترافق الصحافية الفرنسية ماتيلد (إيمانويل بيركو) المقاتلات في عملياتهن العسكرية. ماتيلد تحمل دوما "عصابة" على إحدى عينيها التي فقدتها بعد أن أصابتها شظية في حمص السورية. تقول هوسون إنها استوحت قصتها من حياة الصحافية الأمريكية ماري كولفين التي كانت تحمل أيضا عصابة عين فقدتها خلال إنجاز ريبورتاج في سريلانكا عام 2011، ثم استمرت في العمل وغطت الثورات التونسية والمصرية والليبية. عام 2012 لقيت ماري كولفين حتفها في قصف النظام السوري لحي باب عمرو في حمص حيث كانت تغطي الأحداث لحساب صحيفة بريطانية.

"هل ستروين الحقيقة؟" تسأل بهار... فيلم إيفا هوسون فيلم رنان، فهي تظن ربما أن خيال روايتها أدق من واقع ينقله صحافي من حجم كولفين. وعن أي حقيقة تتحدث وهي لا تذكر حتى اسم التنظيم المتطرف فتشير إليه بعبارات "الملتحون" ، "الرجال ذوو الأزياء السوداء"...

مشاهد التعذيب والاغتصاب والقتل مبالغة ومبالغ فيها، وصياغة هوسون لهذا الموضوع تجعلنا نتردد في وصفه بين "الساذج "أو "السطحي". فلنقل إنها "رومنطيقية" لأن أداء فرحاني مذهل إلى درجة أن الكاميرا تكاد لا تفارقها. وقالت فرحاني لفرانس24 إن في القصة "شيء من حكايتها الشخصية، حكاية جدتها وأمها" ففي نهاية الأمر تحولها هوسون رمزا لصمود النساء. لكن "بنات الشمس" يكاد يتحول فيلما فكاهيا أو حلقة من مسلسل "هوملاند" لفرط سطحيته الثرثارة. فتقول إحدى المقاتلات مثلا "لو كان في أثدائنا نفط عوض الحليب لكان الائتلاف الدولي أسرع في التحرك".

وتعترف هوسون بأن "الهوية الكردية معقدة ومتعددة" نظرا للانقسامات السياسية الداخلية التي تخترقها. وتتابع "سعيت في عملي إلى أن لا يتحول ذلك مشكلا"، فهي إذا تبسط الأمور، وذلك على مستويات عديدة، فكانت النتيجة فشلا ومهزلة في سباق السعفة...

 

مها بن عبد العظيم

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم