تخطي إلى المحتوى الرئيسي
ريبورتاج

يوميات سودانيين من قلب اعتصام الخرطوم.. حلم الحرية والدولة المدنية

أ ف ب

قصص من ساحة الاعتصام قرب القيادة العسكرية بالخرطوم التي تحولت إلى رمز للنضال من أجل الحرية وسودان جديد. آلاف المعتصمين بينهم عشرات الفنانين والرسامين الذين يفترشون الأرض ليلا ونهارا لغاية التوصل إلى اتفاق نهائي يقلب بالكامل صفحة حكم عمر البشير. ورغم الحرارة المرتفعة ومتاعب الصيام، إلا أن أحلامهم لا تزال كبيرة...

إعلان

جاؤوا من كل مكان. من منطقة كردفان ومن جبل النوبة ومن إقليم دارفور وحتى من دول مجاورة، أمثال رواندا وتشاد ومصر.

جاؤوا بخيمهم وبقليل من المستلزمات المنزلية، فيما تسلحوا بإرادتهم وبأحلامهم من أجل سودان جديد ومدني، "سودان الحرية والوحدة" كما يقولون.

شعبان عبد الله، صالح حامد، حليمة حامد مؤدو كوه، أسماء لمتظاهرين لا يزالون ينفذون اعتصاما منذ أكثر من شهر في ميدان الحرية على بعد أمتار قليلة من مقر القيادة العسكرية العامة بالخرطوم.

ورغم اختلاف أسمائهم وأعمارهم ودياناتهم، إلا أنهم يتقاسمون قصصا متشابهة ويقضون أيامهم ولياليهم تحت خيم من البلاستيك في انتظار أن يتوصل المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير التي تمثل جمعيات وأحزاب سودانية كثيرة إلى اتفاق نهائي ينهي الأزمة السياسية التي ظهرت منذ سقوط الرئيس المسجون عمر البشير.

شعبان عبد الله (34 سنة) جاء من ولاية القضارف بشرق السودان المتاخمة لإثيوبيا للمشاركة في الاعتصام منذ 6 أبريل/نيسان الماضي ولن يعود إلى ولايته حتى يسقط "النظام وكل رموزه" كما قال لفرانس24.

"لقد أخبرت عائلتي وزوجتي أنني لن أعود إلى المنزل حتى سقوط النظام بشكل كامل. فرغم تنحية الرئيس السابق عمر البشير والجهاز الأمني العام الذي كان يدعمه، إلا أن هذا غير كاف. هناك ميليشيات لم تحاسب بعد على الأفعال التي ارتكبتها في حق المواطنين، وهي تابعة للنظام القديم وظهرت بعد سقوطه تحت مسمى "مجموعة الظل"  عملها حماية النظام السابق".

فتح شعبان عبد الله، كما يقول، عيونه على نظام البشير وعاش "ظلم" هذا النظام الذي كان "يرانا كالجرذان" حسب تعبيره. "البشير هو من أدخل العنصرية في العائلات والمجتمع السوداني. هو الذي قام بالتفرقة بين العربي والزنجي والشرقي والدارفوري لكي يبقى، هو وحده في السلطة. لهذا سنواصل الاعتصام حتى يحاكم هو ورموزه".

"الحرية هي أسمى هدف يمكن أن يدافع عنه الإنسان"

وبالرغم من أن شعبان ترك زوجته الجديدة (تزوج قبل شهور قليلة فقط) ووالدته ووالده في المنزل بالقضارف، إلا أنه مصمم على تحقيق حلمه المتمثل في "دولة مدنية نزيهة لأن المدنيين يعرفون مصلحة البلاد أكثر من العسكر الذين لا يفهمون سوى لغة الحروب والفتن" حسب تصريحه لفرانس24، وهو نائم عل بساط بلاستيكي في الشارع قبل مدخل ساحة الاعتصام.

ولا يوجد اختلاف كبير بين حلم صلاح حامد (33 سنة) وهو معتصم آخر لديه ولدان (6 و8 سنوات) مع ما يتمناه ابن قبيلته شعبان عبد الله. هو أيضا جاء من ولاية القضارف الشرقية مباشرة بعد سقوط البشير في 6 أبريل/نيسان الماضي للمشاركة في الاعتصامات والاحتجاجات التي تنظم في الخرطوم.

قبل ذلك، شارك صلاح في مظاهرات في ولايته الأصلية. لكنه أعتقل من قبل الجهاز الأمني لمدة شهرين (يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط الماضيين). "الشرطة قامت بتعذيبي مستخدمة الكهرباء خلال أيام عديدة ثم أطلقوا سراحي وسراح الرفقاء الأخرين الذين كانوا معي في السجن في شهر مارس/آذار الماضي وطلبوا منا إنهاء الاعتصام في ولاية القضارف".

وواصل: "فور إطلاق سراحي، جئت هنا إلى الخرطوم للتظاهر مع أخواني وأخواتي في مدينة أم درمان المجاورة  والخرطوم من أجل حقوقي ولبناء مستقبل يسوده الأمل والرفاهية".

وحول ظروف عيشه في الخرطوم بعيدا عن منزله وأهله، أجابنا قائلا: "هناك جمعيات خيرية تقدم لنا الأكل والمياه منذ أكثر من شهر. سكان الخرطوم أيضا يقدمون لنا مساعدات غذائية ومستلزمات أخرى للإيواء مثل البطانيات والأفرشة والمياه، فيما يقوم الجيش بحمايتنا. في الحقيقة، أشعر كأنني في المنزل".

لا يفكر صلاح كثيرا في ولديه، اللذين بقيا برفقة زوجته وجدتهما في ولاية القضارف لأن "تحقيق الحرية هو أسمى هدف يمكن أن يدافع عنه الإنسان" حسب قوله. "في بعض الأحيان عندما أتحدث مع ولدي عبر الهاتف، أقول لهما أنا معتصم لأنني أريد أن أحقق لكما الحرية والكرامة وأشيد لكما مستقبلا زاهرا يكون أفضل من السنوات التي عشناها نحن كآباء. لديكم الأكل والشرب في المنزل ولا تخافون".

"سأبقى معتصمة لغاية تلبية جميع مطالبنا"

صلاح واثق بأن كل شيء سيتغير إلى الأحسن في السودان. "الجنسية السودانية ستكون جنسية جديدة. جواز السفر سيكون جوازا جديدا، وحتى السودانيين سيغيرون تفكيرهم ونظرتهم لبلادهم لأن بعدما كانت الفتنة والكراهية هي السائدة فيما بيننا في الماضي، اليوم الفوز الأكبر الذي حققناه هو أن الشعب السوداني متحد من جديد".

وبينما كانت تستمع إلى قصة صلاح، تدخلت حليمة حامد مؤدو كوه التي تبلغ من العمر 65 سنة، في النقاش وطلبت أن تروي، هي الأخرى لفرانس24 قصة حياتها ونضالها ضد نظام البشير.

انضمت حليمة إلى الحراك السوداني "منذ الدقيقة الأولى من بدايته" لأنها تعرضت إلى "الظلم" كما قالت في تصريح لفرانس24 في الخرطوم من قبل المؤسسة العسكرية التي قامت بتسريحها من العمل بعد 23 سنة من الالتزام والمثابرة.

"كنت أشتغل في مستشفى السلاح الطبي بالخرطوم منذ العام 1984. كنت أوزع الطعام على المرضى العسكريين، لكن بعد 23 سنة من العمل، طردوني بدون مقابل واستبدلوا النساء العاملات هناك بموظفين رجال".

وعندما سألناها لماذا تعتصمين في الشارع رغم المرض والتعب، أجابت "حكومة البشير قتلت العديد من سكان جبال النوبة خلال النزاعات المسلحة العديدة التي عرفها السودان. أكثر من ذلك، لقد فقدت 12 فردا من عائلتي المقربة. كانوا يعملون في الدولة. لكن لغاية اليوم، لا أعلم هل هم أحياء أو أموات. لذا علي أن أكتشف الحقيقة وأدافع عنها. والاعتصام هو الوسيلة الوحيدة لبلوغ ذلك".

وبالرغم من أن حليمة تعاني من الضغط في الدم، إلا أن أنها قررت أن تقضي كل النهار والمساء في ساحة الاعتصام مع أصدقائها من جبال النوبة. لكنها لا تستطيع أن تنام على الأرض في نفس المكان بسبب تصاعد حدة المرض. فهي تعود دائما في منتصف الليل إلى منزلها لكي تنال قسطا من الراحة ثم تعود كل صباح إلى مكان الاعتصام.

"سأبقى هنا حتى يتم تلبية جميع مطالبنا. وإذا عدتم إلى هذا المكان في أية لحظة، فستجدونني هنا في انتظاركم وسأقدم لكم كأسا من الشاي أو من عصير "الكركدي" وهو عصير يعالج آلام المعدة والبطن" حسب تعبيرها.

غادرنا ساحة الاعتصام بالقرب من القيادة العسكرية مع أمل أن نعود إليها في وقت آخر لنروي قصصا أخرى يصنعها فنانون ورسامون تشكيليون ومغنون للثورة السودانية التي تزينت بجميع الألوان والشعارات.

 

طاهر هاني موفد فرانس24 إلى الخرطوم

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن