تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فرنسا: سياسة ماكرون الاجتماعية أمام اختبار احتجاجات "السترات الصفراء"

تجمع لعناصر في حركة "السترات الصفراء" بمنقطة السوم (شمال فرنسا)، 9 تشرين الثاني/نوفمبر 2018
تجمع لعناصر في حركة "السترات الصفراء" بمنقطة السوم (شمال فرنسا)، 9 تشرين الثاني/نوفمبر 2018 أ ف ب

تواجه فرنسا السبت خطر الشلل الاجتماعي بسبب حركة شعبية احتجاجية غير مسبوقة انطلقت على مواقع التواصل الاجتماعي في مطلع تشرين الأول/أكتوبر على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. وتوعدت هذه الحركة، التي تسمى "السترات الصفراء"، بإغلاق الطرقات والمطارات ومحطات الوقود في العاصمة باريس وضواحيها ما سيشل العاصمة التي تشكل أهم النقاط الحيوية والإستراتيجية في البلاد، بهدف دفع الحكومة إلى مراجعة سياستها الاجتماعية.

إعلان

تستعد فرنسا السبت لمواجهة يوم احتجاجي شعبي واسع يثير قلق السلطات الفرنسية، دعت إليه حركة عفوية خالية من أي توجه سياسي أو نقابي معلن، أطلقت على نفسها اسم "السترات الصفراء"، ويقضي بإغلاق كل النقاط الحيوية والإستراتيجية في البلاد، من الطرقات إلى محطات الوقود مرورا بالمواصلات.

السبب الرئيسي وراء هذا اليوم الاحتجاجي الصاخب هو رفع أسعار الوقود الذي قررته الحكومة الفرنسية شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، نتيجة ارتفاع أسعار النفط عالميا بحسبها.

ولكن المشاركين والداعمين لهذه الحركة التي ظهرت ثم انتشرت بسرعة البرق على شبكات التواصل الاجتماعي قالوا إن الفرنسيين خاضعون منذ تولي الرئيس إيمانويل ماكرون السلطة في 14 أيار/مايو 2017 لسياسة ضريبية أنهكت الطبقات المعوزة منهم وحتى المتوسطة.

للمزيد: الآلاف يتظاهرون في "حفلة ماكرون"

وقد أدت السياسة الاجتماعية لحكومة إدوار فيليب إلى تراجع كبير في القدرة الشرائية للمواطن، على حد قول القائمين على هذه الدعوة الاحتجاجية، مشددين على أن ارتفاع أسعار الوقود ما هو سوى القطرة التي أفاضت الكأس. وبالتالي فهم يؤكدون أن حركتهم ستكون ردة فعل قاسية على ماكرون، الذي ظل يردد طيلة 18 شهرا منذ وصوله للحكم أنه عازم على "إصلاح فرنسا"، متعهدا بإنجاز ما عجز أو فشل أسلافه في القيام به في شتى المجالات.

أول حركة شعبية "افتراضية" بامتياز

وتتميز حركة "السترات الصفراء" عن غيرها من الحركات الاجتماعية التي شهدتها فرنسا، سواء في عهد ماكرون أو قبله، بأنها تفتقد لأي زعيم أو هيكل رسمي أو خلفية حزبية، بل تسيرها طاقات بشرية متنوعة منفصلة عن بعضها على مواقع التواصل الاجتماعي، فهي حركة "افتراضية" بامتياز، وهو ما يزيد من خطورتها بالنسبة إلى السلطات الفرنسية. فكيف العمل في حال انفلات أمني؟ ومن المسؤول؟

بحسب ما ذكرت إذاعة "إر تي إل" الجمعة على موقعها الإلكتروني، فإن الاستخبارات الفرنسية تمكنت من تحديد هوية الأشخاص الذين دعوا أول مرة إلى إغلاق الطرقات، وذلك في 10 تشرين الأول/أكتوبر، وهم خمسة رجال وثلاث نساء كلهم من المنطقة الباريسية وتتراوح أعمارهم بين 27 و35 عاما.

للمزيد: تظاهرات تجتاح عدة مدن فرنسية رفضا لتعديل قانون العمل

وأضافت "إر تي إل" أن هؤلاء ليس لديهم أي نشاط سياسي معروف ولا صلة لهم بأي مجموعة متشددة، مشيرة إلى أنهم يعشقون كل ما يتعلق بالسيارات.

هل صبت حكومة إدوار فيليب الزيت على النار؟

والمعروف رسميا عن هذه الحركة لحد الآن هو أنها ولدت في نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر على خلفية ارتفاع أسعار الوقود، واشتدت حدتها إثر إعلان حكومة إدوارد فيليب نيتها رفع الرسوم على المحروقات من جديد في مطلع 2019، وكأنها تعمدت صب الزيت على النار. فمن المتوقع أن ترتفع الرسوم على استخدام الفيول 6,5 سنتيما من اليورو للتر الواحد وعلى البنزين 2,9 سنتيم في الأول من كانون الثاني/يناير.

ففي العاشر من الشهر الماضي، أطلق سائقا شاحنات من منطقة سين-إي-مارن (إحدى الضواحي شرق باريس)، إريك درويه وبرونو لوفيفر، دعوة على موقع "فيس بوك" لشل الطرقات في 17 تشرين الثاني/نوفمبر. وفي سياق منفصل، أطلقت بائعة مواد التجميل في بلدة سافيني لوتومبل بالضاحية الباريسية بريسيلا لودوسكيه (32 عاما)، في 12 تشرين الأول/أكتوبر عريضة على الإنترنت للتنديد والاحتجاج على رفع أسعار الوقود. وقد وقعها أكثر من 800 ألف شخص حتى الآن.

حركة تعكس اتساع رقعة الغاضبين على سياسة ماكرون الاجتماعية

وبعد ثمانية أيام من بداية الدعوات على مواقع التواصل، بثت سيدة تدعى جاكلين مورو شريط فيديو يدعم حركة "التمرد" هذه، وتمت مشاهدتها بين خمسة وستة ملايين مرة، حسب مختلف تقديرات وسائل الإعلام الفرنسية.

للمزيد: "سنستمر في إصلاح البلاد رغم كل العقبات"

ومنذ ذلك الحين، توسعت حركة "السترات الصفراء" لتنتشر عبر كامل التراب الفرنسي، ما يؤكد اتساع رقعة المحتجين على السياسة الاجتماعية لحكومة إدوار فيليب ويضع الرئيس ماكرون أمام أول تحد جماهيري حقيقي يعكس التدني القياسي لشعبيته كرئيس للجمهورية.

وما زاد من الامتعاض الشعبي تجاه إيمانويل ماكرون هو تجاهله لكل مؤشرات وعلامات الصخب الاجتماعي ضد غلاء المعيشة. وقد وقف أكثر من مرة أمام مواطنيه ليلقي اللوم عليهم وهم يشكونه ثقل "الضرائب" وتراجع قدرتهم الشرائية.

وحتى في بداية حركة "السترات الصفراء"، التزمت الحكومة الصمت، ثم بدأت تتحرك وتبرر قراراتها بضرورة رفع الرسوم على الوقود لرفع لأجل دعم سياسات حماية البيئة. وفي النهاية، أعلن رئيس الوزراء إدوارد فيليب الأربعاء مساعدات مالية للطبقات السفلى قيمتها 500 مليون يورو لأجل تحسين قدرتهم الشرائية وتمكينهم من مواجهة الزيادات المرتقبة في مجال الطاقة.

للمزيد: توجيه الاتهام لأربعة من مناصري اليمين المتطرف على خلفية مخطط لاعتداء ضد ماكرون

من جهته، صرح الرئيس ماكرون في مقابلة مع قناة "تي إف 1" أنه يدرك حجم الاحتياجات الاجتماعية وأن الفرنسيين لديهم الحق في التظاهر والتعبير عن غضبهم.

وعلى الرغم من رفضها المشاركة في حركة الاحتجاج، إلا أن أحزاب المعارضة - من اليمين ("الجمهوريون") واليمين المتطرف ("التجمع الوطني") إلى أقصى اليسار الراديكالي (حزب فرنسا الأبية")- أعربت عن دعمها لها.

فهل تنجح "السترات الصفراء" في إحداث هزة اجتماعية تقود الحكومة الفرنسية إلى مراجعة سياستها؟ وهل تمتد في الزمن في حال استمرت الحكومة بتجاهل مطالبها؟

علاوة مزياني

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن