احتجاجات "السترات الصفراء" موجة غضب فرنسية بامتياز

إعلان

باريس (أ ف ب) - انطلقت تظاهرات "السترات الصفراء" بالأساس احتجاجا على ارتفاع سعر المحروقات، لكنها سرعان ما اتسعت لتشمل النظام الضريبي ككل وتراجع القدرة الشرائية، فتحولت إلى موجة غير سياسية متباينة التوجهات والمطالب تندرج في سياق تقليد فرنسي من الاحتجاجات الضريبية.

وقال دومينيك الخمسيني مرتديا "سترة صفراء" عند حاجز أقامه المتظاهرون في مارتيغ بجنوب شرق فرنسا "إنهم ينتزعون منا كل شيء" موضحا أنه يعيش بخمسمئة يورو في الشهر.

وتندد هذه الحركة التي تجمع فرنسيين من كل التوجهات السياسية والشرائح الاجتماعية بغلاء البنزين وارتفاع الضرائب والمعاشات التقاعدية المتدنية، لتعكس بصورة إجمالية احتجاجا رئيسيا هو تراجع القدرة الشرائية.

وهو ما تؤكده دراسة أجراها "المرصد الفرنسي للأوضاع الاقتصادية"، إذ تشير إلى تراجع الدخل السنوي للأسر الفرنسية بمقدار 440 يورو بين 2008 و2016.

وأوضح الخبير الاقتصادي في المرصد ماتيو بلان لوكالة فرانس برس "المشكلة أنه قبل الأزمة كان هناك اتجاه متصاعد، ونحن الآن أمام انقطاع هذا الاتجاه منذ 2008. لم يعد متوسط المستوى المعيشي للاسرة الواحدة إلى مستواه ما قبل الأزمة".

ويتوقع مدير الدراسات في معهد "ريكسكود" إيمانويل جيسوا أن يتحسن الوضع تدريجيا وقال "نرى أنه سيكون هناك على مدى العام 2018 تحسن إجمالي للقدرة الشرائية لمجمل الأسر بنسبة 1,3%".

لكن هذا التحسن في الأوضاع لن يشمل الأكثر تواضعا، بل أن دخل هذه الشرائح سيسجل تراجعا طفيفا في 2018 و2019، وفق دراسة لمعهد السياسات العامة.

وقال جيسوا "هناك زيادات ضريبية مثل زيادة الضريبة على البنزين والتبغ، دخلت حيز التنفيذ منذ الأول من كانون الثاني/يناير 2018. وبموازاة ذلك، فإن خفض المساهمات المترتبة على الموظفين لن تطبق إلا في نهاية السنة".

- "ضيق اجتماعي" -

وما يساهم في مشاعر الاستياء تراجع بعض الخدمات العامة وخصوصا في الأرياف.

ولفت الخبير السياسي جان إيف كامو إلى أن "القبول بالضريبة يقوم على مفهوم إعادة التوزيع. وهو ينخفض حين تبتعد الخدمات العامة وتقل شباك الأمان ويزداد التفاوت في الثروة".

وانطلاقا من هنا، فإن حركة "السترات الصفراء" التي نجحت في جمع أكثر من 270 ألف شخص السبت الماضي من غير أن يكون لها زعيم سياسي أو نقابي، تفتح فصلا جديدا في تاريخ فرنسا الطويل في الاحتجاجات الضريبية.

بل إنها تذكر في بعض نواحيها بانتفاضة الفلاحين على الزيادات الضريبية أيام الملكية عام 1358.

ورأى المؤرخ والأستاذ في معهد العلوم السياسية جان غاريغ أن "هناك عزم على الالتفاف على أشكال التعبير التقليدية في الحياة السياسية للإفصاح عن المطالب. وهذه القاعدة الشعبية الجديدة تندرج في سياق تقليد من التمرد العفوي يعود إلى القرون الوسطى".

وتابع أن "ثورات الفلاحين كانت مؤشرا إلى نظام اجتماعي اقتصادي لم يعد من الممكن احتماله. وهنا، السترات الصفراء هي تعبير عن ضيق اجتماعي، ما يجعل من الصعب للغاية إيجاد حل للظاهرة".

وتراجع عدد المحتجين هذا الأسبوع، لكن المتظاهرين يعولون على نواة مصممة على مواصلة عمليات قطع الطرقات ومحاصرة مستودعات النفط.

لكن هل يكون للحركة مستقبل سياسي على غرار "حركة خمس نجوم" الإيطالية التي انطلقت بعد يوم غضب وباتت اليوم في السلطة؟

وقال غي غرو من مركز "سيفيبوف" للأبحاث "ليس لدينا اليوم شخصية مثل بيبي غريلو (مؤسس حركة خمس نجوم) قادر على أن يكون جامعا. ليس هناك شخصية معترف بها بما يكفي لتجمع هذه الحركة وتمثلها لدى السلطات العامة" مضيفا أن "الحركة متنوعة تماما على صعيد التطلعات والطموحات وحتى الهويات السياسية".

ومن المقرر أن تنظم "السترات الصفراء" السبت تجمعا جديدا لشل الحركة في باريس، وسيكشف مستوى التعبئة عن مستقبل هذه الحركة وقدرتها على إرغام الحكومة على التراجع.