تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جزائريون من قلب الحراك: "نحن الأمل الأخير لهذه البلاد"

الشباب الجزائري يتظاهر كل يوم جمعة ضد حاشية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة
الشباب الجزائري يتظاهر كل يوم جمعة ضد حاشية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أ ف ب

نزل الشباب الجزائري إلى شوارع بلادهم منذ أربعة أسابيع للتعبير عن غضبهم من النظام الحالي، وإيصال رسالة له بأنه قد "طفح الكيل". أربعة من هؤلاء الشباب الذين يعون بوضوح خطورة المنعطف التاريخي الذي تمر بهم بلادهم، قرروا الحديث إلى فرانس24 والإفضاء بمشاعرهم لها حيال هذا الحراك الجماهيري غير المسبوق في الجزائر.

إعلان

نسيم شاب جزائري في الثالثة والثلاثين من العمر، يقطن في شقة صغيرة بشارع ديدوش مراد الذي يفضي إلى ساحة موريس أودانفي العاصمة الجزائر، ويعمل مستشارا تسويقيا، يروي عبر الهاتف لفرانس24 اللحظات الأولى التي عاشها وعايشها في هذا الحراك الجماهيري.

في اليوم الذي بدأت فيه نسائم الحرية تهب على الجزائر، على حد تعبير الشاب، يوم 22 فبراير/شباط الماضي، حين خرج آلاف الجزائريين إلى الشوارع للاحتجاج على ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعهدة رئاسية خامسة، كان نسيم يقف في نافذة شقته يراقب الشارع، ويرى مجموعة من الشباب لا يتعدى عددهم الخمسين تتقاطر عليهم الجموع حتى يصل عددهم إلى ألف تقريبا. عن هذه اللحظة يصف نسيم مشاعره بالقول: "عندما رأيت الشباب في الشارع يتظاهرون بسلمية وبروح معنوية عالية، ورأيت الأمل الذي يرتسم على الوجوه، علمت أنها الثورة وسالت دموعي وجهشت في بكاء حار". ثم يواصل بعزم "تعيش الجزائر اليوم منعطفا تاريخيا بكل المقاييس، لن أكذب عليكم إن قلت إنني لا أصدق ما يحدث، لقد فقدت الأمل منذ أمد بعيد".

عندما كان في الحادية والعشرين من العمر، منذ وقت طويل، وضع نسيم نصب عينيه هدفا واحدا: الارتقاء ببلاده والمشاركة في بنائها من جديد. في العام 2007 عاد نسيم إلى بلده الأم قادما من عاصمة الأنوار باريس مسلحا بشهادة الماجستير في العلاقات العامة، رافضا كل فرص العمل الذهبية التي عرضت عليه في شركات كبيرة في نيويورك وقطر. يروي ما حدث في ذلك العهد: "قال لي الجميع إنني أستحق مستقبلا أفضل من هذا. لكنني كنت أؤمن ببلادي وكان كلي أمل في بناء مستقبل أفضل لها". في ذلك الوقت لم يكن مر وقت طويل على خروج البلاد من "العشرية السوداء" (1991-2001)، ويتابع نسيم "بعد سنوات من إرهاب الجماعات الدينية الذي أودى بحياة 200 ألف شخص، بدأ طعم الحياة يعود إلى الناس رويدا رويدا، وكانت هذه من أجمل سنوات حكم بوتفليقة، وساد الأمن وحب الحياة بعد الطفرة البترولية التي شهدتها البلاد".

 

"لا سينمات ولا حفلات موسيقية ولا ملاه ليلية"

لكن الوضع تغير سريعا وانهارت مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني. ويشرح نسيم قائلا: "لقد تحول المواطن الجزائري إلى شخص سلبي بعد أن أصبح همه الأساسي هو الحصول على إعانات السكن والسلع الغذائية. وهو وضع جعل الشباب ينغلق على نفسه في فقاعة مواقع التواصل الاجتماعي التي أتاحت له البقاء منفتحا على العالم الخارجي". لذا فهو يعتقد أن الجزائر قد دخلت في مرحلة مجتمعين يسيران بسرعتين مختلفتين: مجتمع مدني حديث ملم بأحدث التكنولوجياتمن جهة، ومجتمع سياسي تجاوزته الأحداث ومنقطع عن الواقع. و"كان هذا أحد الأسباب التي جعلت السياسيين عاجزين عن توقع ثورة الشباب"، حسب تفسيره.

استجابة للنداءات التي نشرت على شبكات التواصل الاجتماعي، يخرج صلاح للتظاهر كل يوم جمعة في تيبازة، 70 كلم غرب الجزائر العاصمة. ويقول طالب الاقتصاد هذا، والبالغ من العمر 19 عاما: "أنا أحد الذين ولدوا في عصر بوتفليقة ولم أعرف أو أر سواه في السلطة". أنا أعرفه فقط في السلطة، إنه أمر فوق طاقة الاحتمال! خاصة وأنه قد مر الآن سبع سنوات منذ آخر مرة تحدث فيها للشعب مباشرة. لقد حان الوقت لتمرير شعلة السلطة إلينا نحن الشباب! ".

استجابة للنداءات التي نشرت على شبكات التواصل الاجتماعي، صلاح يتظاهر أيضا كل يوم جمعة في تيبازا على بعد 70 كيلو مترا غربي العاصمة الجزائر
استجابة للنداءات التي نشرت على شبكات التواصل الاجتماعي، صلاح يتظاهر أيضا كل يوم جمعة في تيبازا على بعد 70 كيلو مترا غربي العاصمة الجزائر

 

تخرج ليديا للتظاهر منذ أول دقيقة على اندلاع الاحتجاجات. خرجت للتعبير عن سأمها وضجرها ومللها من النخبة السياسية التي تحكم البلاد ومن نظام بوتفليقة. وتقول: "ليس لدينا وسائل ترفيه، لا سينمات ولا حفلات موسيقية ولا ملاه ليلية متوافرة إلا في الفنادق ذات الأربع أو خمس نجوم". فالشباب الجزائريون الذين تبلغ أعمارهم أقل من 30 عاما، ويمثلون 54 بالمئة من عدد سكان البلاد، يحلمون بتوافر وسائل الترفيه والثقافة العامة، ولكنهم يحلمون قبل هذا وذاك بتوافر فرص العمل أولا؛ فنسبة البطالة بين من تتراوح أعمارهم بين 16 عاما و24 عاما تبلغ 26 بالمئة.

تخلي الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن الترشح لولاية خامسة شكل لهم نصرهم الأول، يؤكد صلاح قائلا: "إن الجزائر تولد من جديد" حتى وإن كان الطريق لا يزال طويلا برأيه. يضيف: "نريد تغييرا جذريا في النظام ورحيلا فوريا لكل كائنات ما قبل التاريخ والديناصورات الموجودة في السلطة، ويجب إقامة انتخابات حرة في أقرب وقت ممكن". الاقتراحات التي عرضتها السلطة على الشعب في بداية شهر مارس/أذار تعتبر غير مقنعة لذا يعلق عليها صلاح شاجبا ومدينا: "الندوة الوطنية ليست بالشيء المهم، إنهم يريدون فقط كسب المزيد من الوقت، الدستور ليس مسودة، يمكننا تعديلها وتصحيحها وقتما شئنا".

"صحوة الروح والجسد"

الشباب الجزائري الذي كان حتى هذه اللحظة لا يبدي أي اهتمام بالسياسة، قرر وعقد العزم على أخذ زمام الأمور ومصيره بيده وبدأ يتعلم كيفية عمل مؤسسات الدولة. وصارت الملصقات التي تعرض على الشباب دروسا في القانون الدستوري أمرا شائعا في شوارع العاصمة الجزائر.

إعلانات دروس القانون الدستوري في الجزائر على موقع تويتر

يقول نسيم: "لقد توقف الشباب عن مشاهدة مقاطع الفيديو الموسيقية أو الفكاهية على هواتفهم المحمولة وبدؤوا الاهتمام بالقانون الدستوري". منذ بدء الأزمة السياسية اتخذ نسيم دور المعلم وبدأ يستخدم حسابه على موقع "إنستاغرام"، الذي يعد 35 ألف مشترك، كأداة إعلامية وتعليمية لنشر تحليل للأحداث وشرح لتطورات الأمور. ويعلق بالقول: "إنها صحوة العقل والجسد لهؤلاء الشباب الذين ظلوا في غفوة طالت عشرين عاما".

الوعي السياسي المتيقظ والمستحث يعطي كل شخص القدرة على المشاركة والبقاء في وضع التعبئة. يتبارى الجزائريون ويتنافسون على الخروج بأفكار وشعارات جديدة كل يوم جمعة. ليندا، على سبيل المثال، مسؤولة تسويق وعلاقات عامة، تقضي وقتها طوال الأسبوع في التفكير فيما ستكتبه على لافتاتها من شعارات جديدة. تقول مازحة: "إن أكثر شيء نفخر به هو أننا طالبنا ’بانتخابات بدون بوتفليقة‘، فأعطونا ’بوتفليقة بدون انتخابات‘". ثم تضيف "حتى إننا لم نتردد بمهاجمة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون [المتهم من قبل الحراك بتدخله في الشؤون الجزائرية وإشادته بقرار الرئيس الجزائري تأجيل الانتخابات الرئاسية]". وشغلت الشعارات الموجهة ضد الرئيس الفرنسي حيزا كبيرا من مظاهرات الجمعة 15 مارس/أذار وكان أهمها مثلا: "ماكرون اشغل نفسك بأصحاب السترات الصفراء فهذا يكفيك"، أو "أنت حر في زواجك بامرأة عجوز، ولكن دعنا نختار رئيسا شابا".

لافتة رفعتها ليندا في المظاهرات والمسيرات

وعلى الرغم من الشعارات العدائية التي ترددت بشكل كبير في المظاهرات، إلا أن المتظاهرين كانوا حريصين على تجنب أي انزلاق للمظاهرات في إطارات غير سلمية. تقول بنت مدينة الجزائر ذات الواحد والثلاثين ربيعا: "مسيراتنا سلمية تماما، ففي بلد مثل بلدنا عاش عشرية سوداء من الإرهاب ليس هناك مكان للخطأ" فالمظاهرات ممنوعة رسميا في العاصمة منذ العام 2001. ولهذا فإن كل المظاهرات لها نظم وقواعد تحكمها: يبدأ التجمع في الثانية بعد الظهر بعد صلاة الجمعة وينتهي في الخامسة مساء، ثم يتفرق الجمع في السادسة مساء بعد ساعة من العمل على تنظيف المكان. كل هذا الجهد والإجراءات المتحضرة تجري تحت وسم silmiya# (سلمية) المنشور على موقع تويتر. وبانكسار في طبقة صوتها تعلق ليندا قائلة: "إن أقل خطأ يحدث قد يؤدي إلى حظر المسيرات ومنع التجمعات وإعادة فرض قانون الطوارئ أو حتى عودة الجيش إلى الحكم".

"نحن الأمل الأخير لهذه البلاد"

أما ليديا فتؤمن بأهمية استمرار المسيرة واستحالة توقفها حتى تحقيق أهدافها، تصرخ قائلة: "لا يجب العودة للخلف ومن الضروري الاستمرار حتى النهاية، لا مفر من النجاح ليس فقط من أجلنا ولكن من أجل أطفالنا؛ فنحن الأمل الأخير لبلادنا". تتوقف قليلا لتأخذ نفسا عميقا وتقول: "لو عادت الحكومة للسيطرة على الموقف فسترجع مرة أخرى لسياسة العصا والعقاب وهو ما سيكون أمرا سيئا وصعبا على الأجيال القادمة".

وحتى يستمر الحراك تعي ليديا جيدا أهمية عدد المشاركين في المظاهرات. ومنذ 15 يوما سعدت كثيرا، لأن والدتها بدأت النزول والمشاركة في التظاهرات. تروي انطباعها عن هذا الحدث بقولها: "في البداية كان آباؤنا يتابعون المسيرات من شرفات المنازل والأُخوة الأكبر سنا كانوا مروعين من المشاركة في المظاهرات، لأن ما حدث في تيزي ووزو العام 2001 لا يزال حيا في ذاكرتهم. يومها أطلقت الشرطة وقوات الأمن الرصاص الحي على المتظاهرين، ما أسفر عن مقتل أكثر من 10 أشخاص. لكنهم عندما لمسوا وتأكدوا من سلمية المظاهرات تشجعوا أكثر وأكثر على النزول وازداد عددهم جمعة وراء الأخرى".

"يجب مراجعة القوانين التي تخص حقوق المرأة الجزائرية"

لقد أصبحت ثورة الشباب في الجزائر شأنا يخص كل الفئات العمرية وكل الطبقات الاجتماعية. ويوما بعد يوما يتزايد عدد المتظاهرين في الولايات الثماني والأربعين للبلاد، من وهران حتى قسنطينة ومن منطقة القبائل حتى عنابة وبجاية. يقول نسيم "أصبح الوطن كله مسرحا للحراك، وأصبح الجميع يدرك أن "صوته يصنع الفارق".

النساء أيضا حاضرات بقوة في المظاهرات، على سبيل المثال أميرة ذات الثمانية والعشرين ربيعا بنت وهران، التي تشارك في المظاهرات مع عدد من صديقاتها، لا ترفع الشعارات الداعية إلى "استئصال حاشية بوتفليقة" وتحقيق الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية فقط، وإنما تطمح أيضا إلى إجراء إصلاحات قانونية تعطي المرأة الجزائرية المزيد من الحقوق.

أميرة، 28 عاما من وهران، تتظاهر كل يوم جمعة مع مجموعة من صديقاتها. (@mrah_amira)
أميرة، 28 عاما من وهران، تتظاهر كل يوم جمعة مع مجموعة من صديقاتها. (@mrah_amira)

فبالنسبة لأميرة، التي كانت تدرس في الماضي علوم الترجمة ثم تحولت إلى مدرسة لياقة بدنية، كان افتتاحها ناديا لممارسة الرياضات البدنية اختراقا مهما لعدد كبير من الطابوهات الاجتماعية والمحرمات المجتمعية. تتحدث عن ذلك قائلة: "إنه ملجأ للمرأة تستطيع فيه التعبير عن نفسها بشيء آخر غير الكلمات في مجتمع جعلها شيئا ثانويا". اليوم تأمل أميرة في إلغاء قانون الأسرة الذي يعود للعام 1984، ويضع المرأة تحت وصاية أبيها وزوجها بينما يضعها الدستور في مرتبة مساوية للرجل. لذا فإنها تطالب "بضرورة مراجعة الحقوق الممنوحة للمرأة الجزائرية عامة والواجبات المفروضة عليها، ثم يأتي بعد ذلك وضع المرأة المسلمة".

أما الآن فإن الوقت هو وقت الوحدة والالتفاف حول المطالب كما يقول نسيم: "لقد تجمعنا واتحدنا وراء قضايانا ومطالبنا المشتركة، والتيار السياسي الذي سيحكم غدا هو الآن تيار ثانوي"، وعندما تحين اللحظة التي سيتعين على كل شخص فيها الاختيار حسب رؤيته السياسية الفردية ستكون كما يعتقد نسيم: "نهاية هذا الاندماج الجميل".

 

نص: سيغولين ألماندو

اقتباس: حسين عمارة

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.