تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة موسيقية عبر أزقة القصبة الجزائرية... دون تأشيرة دخول

صورة من أزقة القصبة العتيقة في الجزائر العاصمة
صورة من أزقة القصبة العتيقة في الجزائر العاصمة عادل قسطل/فرانس24

بنغمات موسيقية لآلة "البانجو"... تبدأ الرحلة. وفي جو ميزه صمت تام وديكور تناصفه ظلام وضوء، اخترقت الجوقة الموسيقية الشعبية بقيادة "موح الصغير"، أحد أبرز عازفي الجزائر على آلة "البانجو" هدوء قاعة "كباري سوفاج" بباريس، وعلا دوي تصفيق الحاضرين والذواقين لأغاني موسيقى الشعبي، ممن جاؤوا للقيام برحلة طويلة في حي القصبة التاريخي بالجزائر العاصمة دون جواز سفر ولا تأشيرة.

إعلان

"حي القصبة بالموسيقى" هو آخر إنتاج ثقافي وموسيقي لقاعة "كباري سوفاج". يستحضر ذكريات وصور هذا الحي التاريخي القديم الذي يطل على المتوسط والمصنف في لائحة التراث العالمي من قبل منظمة اليونسكو.

الحياة في أزقته المزدحمة والوعرة رواها الممثل بوعلام (عثمان بن داود) بكلمات معبرة ومؤثرة عادت بالحاضرين إلى سنوات الحرب الجزائرية وقبلها عندما كان الأتراك يحتلون الجزائر.

فيما أثرى قصة هذا المكان، الذي لا يزال يستقطب آلاف الزوار، بحكايات تناقلتها الأجيال عن الحياة فيه والصداقة التي كانت تربط سكانه وكيف كان يعيش فيه الشبان والشابات والطريقة التي كانت تنسج بها حكايات غرام في تستر تام ودون علم أولياء العشاق الذين غالبا ما يبقى عشقهم أفلاطونيا.

ولد الممثل بوعلام في القصبة. ترعرع فيه وعاش أجمل سنوات طفولته في هذا الحي الذي يشبه متاهة. وباللهجة العامية التي ينطق بها سكان الجزائر العاصمة وحي باب الواد خصيصا، بدأ بوعلام بالحديث عن حياته وكيف تعلم الرقص والغناء وكيف وقع في غرام شابة بمجرد أنها طلت من النافذة.

"معركة الجزائر" دار رحابها في حي القصبة

حياة بوعلام مرتبطة كلها بهذا الحي الغريب. "حي القصبة هو عبارة عن متاهة. إذا دخلته فيجب عليك أن تدرك كيف تخرج وتعرف أين تقع الأبواب الخمسة". يروي هذا الممثل الذي لبس "برنسا" أبيض و"طربوشا" أحمر، وهي الملابس المعروفة في القصبة وفي بعض مناطق شمال أفريقيا.

بعد أن قدم نفسه للحاضرين، غادر القاعة راقصا ومهللا ليترك الموسيقى تضع حدا للصمت الذي طغى على الأجواء.

بدأ المغني (نورالدين) بأداء أغنية "عيشي غير أنت" التي تروي قصة حب خيالية بين شاب وشابة لم تنته بشكل جيد. الشابة، بعدما كبرت، اختارت أن تتزوج برجل غني يوفر لها جميع الإمكانيات وتضع حدا لأول قصة عشق مع شاب تعرفت عليه خلال شبابها في القصبة.

وبعد أن رقص المتفرجون وأطلقوا الزغاريد، عاد بوعلام ليستأنف الحكاية مستحضرا أيام الاستعمار الفرنسي وكيف واجهها سكان القصبة الذين ضحوا بالكثير لنيل الاستقلال.

فيما تحدث عن "معركة الجزائر" الشهيرة التي جرت بالقصبة بين الثوار الجزائريين وجنود مستعمرين بقيادة الجنرال بيجار في العام 1957. هذه المعركة تحولت لاحقا إلى فيلم مشهور نال العديد من الجوائز الدولية.

وعززت هذه الذكريات بأغاني شعبية أصيلة باللهجة العامية والقبائلية لفنانين عايشوا هذا التاريخ أو عاشوا في هذا الحي مثل الحاج محمد العنقى الذي يعد الأب الروحي لموسيقى "الشعبي" والهاشمي غروابي والشيخ الحسناوي وعمار الزاهي ومغنيين بسطاء آخرين.

وواصل بعد ذلك بوعلام حكايته حول القصبة وتحدث عن شارع "باب عزون" وهو الحي الذي كانت تعيش فيه جالية يهودية اشتهرت بالتجارة، ومسجد "كتشاوة" الذي كان سابقا معبدا لليهود.

"سلام مني لرشيد طه حيث يتواجد"

فتكونت الصور في مخيلة المتفرجين ليس فقط عبر حكايات بوعلام أو أغاني الجوقة الموسيقية، بل أيضا عبر أشرطة فيديو كانت تبث مباشرة خلال الحفل مظهرة كيف كان "القصباويون" يعيشون حياتهم في الخمسينيات.

لكن حلاوة العيش في هذا الحي رحلت مع رحيل العديد من سكانها الأصليين حسب بوعلام لا سيما خلال سنوات الإرهاب التي عاشتها الجزائر والتي غيرت من طريقة عيش سكان القصبة والجزائريين عامة لتبقى في أذهانهم الصور القديمة والحياة الجميلة كما ترويها أغنية " أمان أمان على هذا الزمان، لماذا يوعد ويدور...." التي جلبت الكثير من الحاضرين للرقص وسط القاعة.

"في الماضي، كانت الحياة في القصبة سعيدة وهنيئة. الناس يضحكون دائما ويقضون أوقاتا جميلة. لكن اليوم لطف العيش رحل والزمن تغير. سكان القصبة القدماء أصبحوا يعيشون مع الذكريات"، يقول مزيان أزياش أحد مصممي المشروع الثقافي ومالك قاعة "كباري سوفاج".

وأضاف "هذا المشروع هدفه تكريم الفنان الراحل رشيد طه الذي كان صاحب الفكرة. كان متعلقا جدا بالقصبة وبالحياة في الأحياء الشعبية. كان من المفروض أن يكون المغني الوحيد والأساسي في هذا المشروع ويؤدي جميع أغاني دحمان الحراشي، لكن توفي قبل أيام قليلة من إطلاق المشروع".

وأردف "رشيد طه هو الفنان الجزائري الوحيد الذي استطاع أن يصدر للعالم أغنية الشعبي الجزائري بأدائه قصيدة ‘يا الرايح وين تروح تعي وتولي’ للفنان الراحل دحمان الحراشي". ومشروع القصبة بالموسيقى هو سلام مني لرشيد الذي كان يأتي دائما إلى قاعة "كباري سوفاج" ينهي مزيان أزياش.

فرانس24

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.