تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المحكمة الدستورية: هل تمنع صراعات إيديولوجية مسيرة تونس نحو الديمقراطية؟

أ ف ب/ أرشيف

أثارت مؤخرا أنباء تعرض الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي لوعكة صحية حادة تساؤلات حول أهمية المحكمة الدستورية وعن أسباب تأخر إنشائها. فالمحكمة الدستورية هي المؤسسة الوحيدة المخول لها معاينة حالة الشغور الوقتي أو النهائي للرئاسة وهي الوحيدة التي بإمكانها البت في مسألة الشخص الذي يفترض أن يخلف رئيس الدولة في حال شغور المنصب. غياب المحكمة الدستورية شكل أزمة دستورية آنذاك، والحاجة الملحة لهذه المؤسسة تزداد قبل أسابيع من انتهاء العهدة البرلمانية وأشهر من موعد الانتخابات. فما هي أسباب تأخر إنشاء المحكمة الدستورية؟

إعلان

يعقد البرلمان التونسي من جديد الاثنين جلسة برلمانية جديدة للتصويت بشأن اختيار ثلاثة من أربعة أعضاء في المحكمة الدستورية يتوجب على مجلس نواب الشعب انتخابهم.

وينص الدستور التونسي على ضرورة تشكيل المحكمة الدستورية في أجل أقصاه سنة بعد الانتخابات التشريعية التي تمت في 2014، غير أن الكتل البرلمانية لم تتمكن من انتخاب سوى عضو واحد وهي امرأة، في آذار/مارس 2018 من بين أربعة أعضاء.

ووفق تصريح لفرانس24 قال الأستاذ المختص في القانون الدستوري جوهر بن مبارك إن المحكمة الدستورية هي مؤسسة قضائية أنشأها دستور 2014 تتكون من 12 عضوا.

كان من المفترض أن يتم تشكيلها في أجل أقصاه سنة من تاريخ انتخابات 2014 أي في أكتوبر/تشرين الأول 2015 إلا أن ذلك تأخر لأكثر من ثلاث سنوات حتى الآن.

وتشمل مهام المحكمة الدستورية 13 اختصاصا من أبرزهامراقبة دستورية القوانينومراقبة دستورية المعاهدات الدولية، إقرار الشغور النهائي أو المؤقت لمنصب رئاسة الجمهورية.مؤكدا أنها أحد أعمدة النظام السياسي القائم وأن اختصاصاتها ذات صبغة سياسية بالأساس.

وذكر بن مبارك في هذا السياق خطر "الفراغ الدستوري" الذي واجهته البلاد يوم 27 يونيو/حزيران عندما تعرض الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي لوعكة صحية حادة لأن المحكمة الدستورية هي المؤسسة الوحيدة المخول لها معاينة حالة الشغور الوقتي أو النهائي لمنصب رئيس الجمهورية.

أسباب تقنية لعدم انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية

ولتشكيل محكمة دستورية، كان من المفترض أن يصوت البرلمان على أربعة أعضاء ثم يعين المجلس الأعلى للقضاء أربعة أعضاء آخرين في حين يعين رئيس الجمهورية الأربعة المتبقين. لكن رغم أن البرلمان عقد عدة جلسات عامة من أجل ذلك إلا أنه لم يفلح في التوافق بهذا الشأن.

ويتطلب انتخاب الأعضاء أغلبية الثلثين أي 145 عضوا من مجمل 217 عضوا في مجلس الشعب. لكن النواب لم يتفقوا إلا على انتخاب عضو واحد وهي روضة الورسيغني.

ويشير بن مبارك، إلى أنه تم تأسيس هيئة وقتية، هي هيئة مراقبة دستورية القوانين، مهلتها المفترضة عام واحد حتى تأسيس المحكمة الدستورية، تعوض المحكمة الدستورية لكنها مكلفة باختصاص واحد وهو مراقبة دستورية القوانين من بين 13 اختصاصا، في حين ظلت الاختصاصات المتبقية معلقة.

ويذكر أن هذه الهيئة الوقتية تلقت عدة طعون بشأن تعديل قانون الانتخاب الذي تم إقراره في شهر حزيران/ يونيو الماضي، أي قبل نحو خمسة أشهر من الاقتراع الرئاسي. وقد يؤدي إلى إقصاء مرشحين بارزين للرئاسة على غرار ألفة تراس رامبورغ ونبيل القروي.

ويتابع جوهر بن مبارك أن أحد أسباب تعطل تعيين المحكمة الدستورية "تقني"، فالأغلبية لم تتوصل للاتفاق على اختيار أعضائها وهو ما يؤكد وجود توترات سياسية لم تفضي إلى التوافق بشأن الأسماء المطروحة.

لكن وإن كانت الأسباب تبدو في ظاهرها تقنية تنحصر في عدم حصول المرشحين على أغلبية الثلثين من الأصوات فهي تخفي حسابات إيديولوجية ضيقة، يدفع ثمنها الشعب التونسي عبر حرمانه من "دولة القانون والدستور" التي ثار من أجلها.

مخاوف وأطماع إيديولوجية

وفي نفس التصريح أوضح بن مبارك إلى أن هناك رغبة سياسية لتأخير تأسيس المحكمة في ظل مخاوف الطبقة السياسية من المحكمة الدستورية التي ستصبح بمثابة سلطة عليا نظرا لحجم الصلاحيات التي ستمنح لها.

فوفق مهدي العش العضو في جمعية بوصلة التي تراقب سير جلسات مجلس النواب فإن أبرز الصلاحيات الحساسة التي تثير مخاوف لدى بعض الكتل البرلمانية: رقابة دستورية القوانين وإمكانية الطعن فيها لدى المحكمة، ومعاينة الشغور الوقتي والنهائي لمنصب رئاسة الجمهورية، والحسم في تنازع الاختصاص بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.

وأشار بن مبارك إلى أن البرلمان التونسي نجح في عدة مناسبات في التوافق في مسائل أخرى من بينها تجديد الهيئة المستقلة للانتخابات وتعيين الحكومات ومنح الثقة للوزراء لكنه فشل في تعيين المحكمة الدستورية.

وأرجع بن مبارك الأسباب "السياسية" التي أخرت تأسيس المحكمة إلى أنها إيديولوجية بالأساس تتعلق بعضها بقوانين الأحوال الشخصية وتعكس الصراع المجتمعي قائم الذات وفق تعبيره والمنقسم بين توجهات إسلامية ومدنية.

فالإسلاميون على سبيل المثال وفق جوهر بن مبارك، يسعون لاختيار العدد الأكبر من أعضاء المحكمة الدستورية لأن رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي يملك حق تعيين أربعة أعضاء آخرين وهو المحسوب على التيار الحداثي.

وبناء على ذلك فإن الكتلة النيابية الإسلامية تخشى أن يكون أعضاء المحكمة من خصومها الإيديولوجية، وفق توضيح بن مبارك.

ومجلس نواب الشعب التونسي مكون من 69 عضوا من كتلة النهضة تليها كتلة نداء تونس بـ67 عضوا تليها الكتلة الحرة لحركة مشروع تونس بـ23 صوتا من مجمل 217 عضوا.

ووفق بن مبارك تسعى كل من "الكتلة الحداثية" و"الكتلة الإسلامية" لاستمالة أعضاء المحكمة لاعتبارات إيديولوجية أبرزها مسألة قانون المساواة في الميراث أو مسألة المالية الإسلامية.

حسابات حزبية ضيقة

مهدي العش من جانبه أكد أيضا أن سبب تأخر تعيين أعضاء المحكمة سياسي بامتياز يعود لحسابات حزبية ضيقة، فقد توافقت الكتل المختلفة في البرلمان مؤخرا على 4 أعضاء وهم: سناء بن عاشور )مرشحة الكتلة الحرة لحركة مشروع تونس وحزب الجبهة الشعبية(، العياشي الهمامي )مرشح كتلة الجبهة الشعبية والكتلة الديمقراطية وكتلة الاتحاد الوطني الحر قبل حلها)، عبد اللطيف بوعزيزي )مرشح حركة النهضة(وروضة الورسيغني )مرشحة نداء تونس(.

إلا أن النواب ووفق مهدي العش استغلواسرية التصويت وتراجعوا عن توافقهم بشأن ثلاثة أسماء وصوتوا فقط من أجل روضة الورسيغني،ما عطل من جديد إنشاء المحكمة.

ووفق بن مبارك فإنه إلى جانب الأحزاب السياسية والحكومة فإن "رئيس الجمهورية أيضا يتحمل المسؤولية" في تأخر هذه الخطوة التي سترتقي بالبلاد إلى دولة القانون. وتابع أن عدة هيئات دستورية أخرى تعطل تأسيسها بسبب عدم التوافق في البرلمان، من بينها هيئة الحوكمة الرشيدة، هيئة حقوق الإنسان، مؤكدا أن هناك تلكؤ سياسي في تأسيس الهيئات الدستورية عامة من أجل الإبقاء على نظام دستوري "أعرج" يسهل الانقضاض عليه.

صبرا المنصر

 

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن