تخطي إلى المحتوى الرئيسي
ريبورتاج

برلين: البحث عن الجدار المفقود

برلين، 30 سنة بعد سقوط الجدار
برلين، 30 سنة بعد سقوط الجدار سيباستيان سايبت

بعيدا عن ضجيج السياح وسط العاصمة برلين في حي "بانكاو" تتواجد القطعة الوحيدة في العالم من جدار برلين الأصلي. فرانس24 التقت بالرجل الذي اكتشف هذه القطعة في العام 1999 وأخفاها طيلة 20 سنة.

إعلان

في حي "بانكاو" بمدينة برلين، يتواجد كنز مفقود يتمثل قطعة فريدة من جدار برلين الأصلي، لا يزال قائما وسط أرض خالية مغطاة بأعشاب برية ومحاطة بسياج.

بعد مرور ثلاثين عاما على سقوط جدار برلين، بقيت منه قطعة صغيرة وأصلية. وكانت سلطات ألمانيا الشرقية قد شيدت جدار برلين على وجه السرعة "في 31 أغسطس/آب 1961، مستخدمة آنذاك" في بنائه "جميع أنواع المواد التي كانت متوفرة" كما يشرح كرستيان بورمان، وهو مؤرخ هاو يهتم بشغف بتاريخ حي "بانكاو" الذي يسكن فيه وحيث وقع اكتشاف هذه القطعة الفريدة من الجدار.

وأضاف المؤرخ الهاوي "جمهورية ألمانيا الديمقراطية (ألمانيا الشرقية) قامت بتدمير جميع بقايا الجدار الأول لكي"لا يراه أحد ولكي لا يبقى سوى الجدار الثاني الذي يعرفه الجميع، وهو أجمل"، حسب قوله.

جدار مخفي طيلة 19 عاما

انتظر كرستيان بورمان 19 عاما ليكشف وجود هذا الجدار المخفي، فيقول الرجل الذي ولد في ألمانيا الشرقية وعاش فيها حتى ناهز الثماني سنوات من العمر "عندما اكتشفته في 1999، كنت أدرك أني لو تحدثت عنه، سيتم تدميره بسرعة لأن السياسة المتبعة خلال تلك الفترة كانت تتمثل في محو كل آثار الجدار بهدف إظهار برلين كمدينة موحدة ".

للمزيد: من حائط برلين إلى جدار المكسيك.. حواجز حول العالم قسمت البلدان والثقافات

لكن في 2018، أصبحت هذه القطعة من الجدار التي يبلغ طولها نحو 80 مترا مهددة بالسقوط، ما جعل كرستيان بورمان يقرر الاتصال بالسلطات الألمانية لكي تتدخل وتحافظ عليها بحكم أنها قطعة تاريخية. وكانت قد انقضت عشرون سنة على اكتشاف هذه القطعة وتصالحت ألمانيا بإعادة التوحيد. فيقول كريستيان بورمان الذي تلقبه الصحافة الألمانية بـ"أنديانا جونز الألماني": "هذه المرة تحول الاكتشاف إلى حكاية مثيرة فبحيث أجريت حوالي خمسين مقابلة صحفية خلال ثلاثة أيام فقط" حول هذه القطعة من الجدار.

وأضاف هذا الرجل الذي لم يصدقه أحد في البداية "وكأنني زعمت أنني اكتشفت هرما جديدا. الكل كان يقول لي: لا هذا غير ممكن. لقد تم اكتشاف كل شيء" في السابق. لكن تم بسرعة تأكيد أن هذه القطعة كانت فعلا يوما ما جزءا من جدار برلين.

لكن تبقى سؤال عالق: كيف أفلتت قطعة من جدار برلين مسافتها 80 مترا من الانتباه؟ الجواب مرتبط بنزوة التاريخ وبقصة حب في آن واحد.

فيروي كرستيان بورنان "غير بعيد عن هذا المكان، كان هناك نفق تحت الجدار مكن امرأة من ألمانيا الشرقية الالتحاق بزوجها الذي كان يعيش في ألمانيا الغربية. لكن عندما اكتشفت السلطات هذا المعبر، قررت تغيير مكان رسم الجدار الثاني، ما جعل أثر الجدار القديم لا يرى من الغرب. كما لم يتم هدمه بغرض التقشف". إضافة إلى ذلك، قامت ألمانيا الشرقية التي كانت تعاني من نقص في العملة الصعبة في 1987 ببيع هذه القطعة من الأرض لبرلين الغربية. وبعد توحيد الألمانيتين، لم يفكر أحد في البحث عن أجزاء من الجدار على أراضي جمهورية ألمانيا الفيدرالية.

نفق الغرام ومقبرة الجدار

كان قبر ماريا ليدكه يقع في مقبرة حي "بانكاو" التي كانت بمثابة الحجر الفاصل بين ألمانيا الشرقية والغربية. وكان هذا القبر منفذ "نفق الغرام" الذي مكن الزوجان بيبانك من الالتقاء. ففي 13 أغسطس/آب 1961 اليوم الذي بدأت فيه أشغال بناء الجدار الأول، زار الزوج عائلة زوجته في برلين الشرقية. لكن حين أراد الزوجان الشابان العودة إلى شقتهما في برلين الغربية، لم تسمح السلطات سوى للوثار (اسم الزوج) العبور إلى الجهة المقابلة. "قالوا لهم إنه من الطبيعي أن يتم تفرقة الأزواج في زمن الحرب" حسب قول كرستيان بورمان. لكن الزوج (لوثار) لم يتقبل هذه الفكرة فراح يحفر الأرض تحت الحدود لتمكين حبيبته من العبور إلى الجهة الغربية في 13 كانون الأول/ديسمبر 1931".

بالرغم من أن عمره لا يتجاوز 39 سنة، تحول كرستيان بورمان إلى ذاكرة حية لحي "بانكاو" الذي لم ينفك عن استكشافه. فيوضح "جزء كبير من أهالي الحي هم أنفسهم منذ ما قبل سقوط الجدار". المباني السكنية لم يتم تجديدها، عدا طلاء الواجهات "لمحاربة الكآبة التي كانت تميز العيش في الشرق". لا يملك حي "بانكو" شهرة  "ميت" وهو حي آخر في برلين الشرقية حيث يوجد حاجز شارلي، لكنه يزخر بالآثار المنسية العائدة إلى جمهورية ألمانيا الديمقراطية وأخرى تشهد على إعادة التوحيد.

"غبار التاريخ "

عندما نتبع نحو الشمال الطريق الممتدة طول المقبرة، والتي كانت منطقة مقفرة إلى غاية 1989، ننتهي إلى حديقة كبيرة. العائلات تأتي إليها للنزهة والترفيه، فلا أحد يتخيل أن هذه الحديقة كانت تلقب عام 1990 "مقبرة الجدار". يقول كرستيان بورمان "الجميع نسى اليوم أن هنا دمرت 155 كيلومترا من الجدار باستثناء 500 قطعة منه باعتها الحكومة".

ويتذكر هذا المؤرخ الهاوي أنه كان يلعب في طفولته بين أطلال الحجر فيما كانت آلة كبيرة تحول هذه الأحجار إلى غبار. فيقول "كنا نطلق عليها اسم ‘الوحش الأخضر’ بسبب حجمها والضجيج الحاد الذي ترسله. سكان المناطق المجاورة عاشوا مع هذا الضجيج المتواصل سنتين. وكان الغبار يملأ أفواههم عندما يفتحون النوافذ. كنا نلقب هذا الغبار ‘غبار التاريخ’".

تمت لاحقا إعادة تدوير بقايا الجدار. 155 كيلومترا من الأحجار استخدمت لتعبيد الطرقات. فحين نسلك اليوم مخرج الطريق السريعة المؤدية، شمال حي "بانكاو"، إلى منطقة برلين-بوخ، نسير في الواقع على بقايا جدار برلين.

سيباستيان سايبت

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.