الطائرات الحربية تغيب عن سماء إدلب منذ بدء سريان وقف إطلاق النار

6 دقائق
إعلان

إدلب (سوريا) (أ ف ب)

تشهد محافظة إدلب في شمال غرب سوريا غياباً تاماً للطائرات الحربية عن أجوائها منذ دخول وقف إطلاق النار الذي أعلنته موسكو وأنقرة حيز التنفيذ، في هدوء نادر يعقب ثلاثة أشهر من تصعيد عسكري لقوات النظام بدعم روسي في المنطقة.

وبدأ عند منتصف ليل الخميس الجمعة وقف لإطلاق النار أعلنه الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب إردوغان، في محاولة لوضع حد لهجوم تتعرض له المنطقة منذ مطلع كانون الأول/ديسمبر، دفع بنحو مليون شخص إلى الفرار، في إحدى أكبر موجات النزوح منذ بدء النزاع قبل تسعة أعوام.

وتحدّث المرصد السوري لحقوق الإنسان ومراسلو وكالة فرانس برس عن هدوء في إدلب منذ بدء سريان الهدنة. وأفاد عن "غياب تام للطائرات الحربية التابعة لقوات النظام وحليفتها روسيا عن أجواء إدلب" منذ منتصف الليل.

ودارت "اشتباكات متقطعة مع تبادل لاطلاق النار في الساعات الثلاث الأولى من يوم الجمعة، ثم توقفت لاحقاً"، وفق المرصد الذي أحصى مقتل ستة عناصر من قوات النظام مقابل تسعة من فصيل الحزب التركستاني الاسلامي، الذي يضم غالبية من المقاتلين الصينيين من أقلية الأويغور ويقاتل الى جانب هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً).

وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن لفرانس برس "يسود الهدوء الحذر والهدنة لا تزال صامدة حتى الآن".

وينص الاتفاق، الذي أعلنه بوتين وأردوغان، إثر لقاء استمر ست ساعات في الكرملين الخميس، على تسيير دوريات مشتركة بدءاً من 15 آذار/مارس، على مسافة واسعة في محيط طريق "ام فور" الدولي الذي يربط محافظة اللاذقية الساحلية بمدينة حلب، ثاني كبرى مدن البلاد. ويتطلع الطرفان إلى إنشاء "ممر آمن" بمسافة ستة كيلومترات من جانبي الطريق، ما يعني ضمنياً منطقة عازلة بطول 12 كيلومتراً.

ورغم تعهد الرئيسين بأن يكون اتفاق وقف اطلاق النار "مستداماً"، إلا أن السكان لا يعلّقون آمالاً كبيرة عليه.

في مخيم للنازحين قرب بلدة كفرلوسين الحدودية مع تركيا شمال إدلب، يقول أحمد قدور (29 عاماً) النازح من ريف حلب الغربي مع زوجته وطفليه لفرانس برس "عن أي هدنة يتحدثون؟". ويضيف "لا ثقة لدينا بالنظام وروسيا بشأن وقف اطلاق النار رغم اعتقاد الناس أنه صادق.. فالنظام في كل مرة يستهدف التجمعات ويرتكب المجازر".

- "لوقف معاناة المدنيين" -

وتسبّب الهجوم الذي بدأته قوات النظام بدعم روسي منذ مطلع كانون الأول/ديسمبر ضد مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً) وفصائل أخرى معارضة أقل نفوذاً في إدلب ومحيطها بالكارثة الإنسانية الأسوأ منذ اندلاع النزاع، مع نزوح حوالى مليون شخص وفق الأمم المتحدة. وأودى القصف بحياة نحو 500 مدني بحسب المرصد.

ولا يعد اطلاق النار هذا الأول في إدلب التي تعرضت خلال السنوات الأخيرة لهجمات عدّة شنتها قوات النظام بدعم روسي وتمكنت خلالها تدريجياً من السيطرة على أجزاء واسعة من المحافظة. ومع الهجوم الأخير، بات قرابة نصف مساحة المحافظة تحت سيطرة قوات النظام، التي تقدمت في جنوب إدلب وغرب حلب.

وأمل بوتين أن يشكّل نص الاتفاق "أساساً صلباً لوضع حد للمعارك" و"لوقف معاناة المدنيين"، بينما قال إردوغان إن هدفه "منع تفاقم الأزمة الإنسانية في إدلب"، محذراً في الوقت نفسه من أنّ أنقرة تحتفظ "بحق الرد بكل قوتها وفي كل مكان على أي هجوم" تشنه دمشق.

وتوتّر الوضع في إدلب الأسبوع الماضي إثر مقتل 34 جندياً تركياً بضربة جوية نسبتها أنقرة إلى دمشق. ومنذ مطلع شباط/فبراير، تجاوز عدد القتلى الجنود الأتراك عتبة الخمسين في إدلب، في أكبر حصيلة قتلى تكبدتها أنقرة منذ بدء تدخلها في سوريا في العام 2016.

وردّت أنقرة على مقتل جنودها بقصف مواقع لقوات النظام بالمدفعية وطائرات مسيّرة، أوقعت العشرات من القتلى في صفوف قوات النظام. كما قررت فتح حدودها مع اليونان، ما تسبب بتدفق آلاف اللاجئين والمهاجرين نحو الحدود وأثار غضب دول الاتحاد الأوروبي التي اتهمتها بمحاولة "ابتزازها".

وتتهم دمشق أنقرة بدعم "المجموعات الإرهابية" في إدلب وقيادة الهجمات ضد قواتها. واستبق الرئيس السوري بشار الأسد اعلان الهدنة بتأكيده أن استعادة محافظة إدلب تشكل "أولوية" في الوقت الراهن.

- الطريقان الدوليان -

وبموجب اتفاق أبرمته مع روسيا في أيلول/سبتمبر 2018 في سوتشي، تنشر تركيا 12 نقطة مراقبة في إدلب. وأرسلت خلال الأسابيع الأخيرة تعزيزات عسكرية ضخمة دعماً للفصائل في تصديها لقوات النظام.

وتضمّن اتفاق سوتشي انشاء منطقة منزوعة السلاح لم يتم استكمال تطبيقها، ونصّ كذلك على إعادة فتح الطريقين الدوليين "ام فايف"، الذي يربط مدينة حلب مروراً بإدلب وصولاً إلى دمشق والحدود الأردنية جنوباً، وطريق "ام فور" الذي يربط اللاذقية، معقل الرئيس بشار الأسد، بمدينة حلب، ثم يخترق مناطق سيطرة القوات الكردية شمالاً حتى الحدود التركية.

ويشكل الطريقان متنفساً لدمشق كونهما يربطان أبرز المناطق الواقعة تحت سيطرتها ومن شأن تأمين تنقلها عبرهما أن يسرع من دوران العجلة الاقتصادية وعملية نقل البضائع والركاب.

ويفترض أن تنطلق الدوريات الروسية التركية المشتركة، وهي الأولى في إدلب، من قرية ترنبة الواقعة غرب مدينة سراقب بمحاذاة طريق "إم فور" وصولاً الى قرية عين الحور في اللاذقية.

ويوشك النزاع الذي تسبب بمقتل أكثر من 380 ألف شخص على بدء عامه العاشر منتصف الشهر الحالي، بعدما ألحق دماراً هائلاً بالبنى التحتية وأدى الى تهجير وتشريد أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها.