تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طرابلس محرّكة تظاهرات لبنان تدفع ثمن الانهيار الاقتصادي وكوفيد-19 يضاعف معاناتها

إعلان

طرابلس (لبنان) (أ ف ب)

على مدى أسابيع، حاول أميم مهباني جذب الزبائن إلى متجره في مدينة طرابلس في شمال لبنان عبر التنزيلات، لكنّ أمله بتحسين نسبة المبيعات المتدنية أساساً ذهب سدى مع اعلان السلطات إقفالاً عاماً بمواجهة فيروس كورونا

وبعدما كانت طرابلس، التي لُقّبت بـ"عروس الثورة"، محركاً لتظاهرات واسعة اندلعت قبل خمسة أشهر ضد الطبقة السياسية وعمّت المناطق كافة، شهدت أسواقها في الأسابيع الأخيرة ركوداً غير مسبوق. وتزامن ذلك مع إقفال لعشرات المحال وصرف موظفين، على غرار العديد من المناطق في خضم أسوأ أزمة اقتصادية يواجهها لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية (1975-1990).

ومع اعلان الحكومة ليل الأحد حالة الطوارىء الصحية لمواجهة فيروس كوفيد-19 ومطالبتها اللبنانيين بملازمة منازلهم لأسبوعين وبإقفال عام للمؤسسات، من المتوقع أن تتوقّف حركة الأسواق كلياً.

قبل عشرين عاماً، افتتح أميم (52 عاماً) متجره المخصص لبيع الألبسة والأقمشة والعباءات النسائية في شارع عزمي، أبرز شوارع طرابلس التجارية. وطيلة الأسابيع الماضية كان إقبال الزبائن خفيفاً، إلا أن الوضع بات أسوأ إثر تفشي فيروس كورونا المستجد.

وقال أميم لفرانس برس عبر الهاتف الإثنين "أغلقنا حالياً أبواب محالنا التي لم يكن يدخلها أحد أساساً جراء الأزمة الاقتصادية الخانقة".

وأضاف "حالة الطوارئ الصحية التي أعلنتها الحكومة جاءت لتقضي علينا" بعدما "فقد التجار أساساً قدرتهم على تحمل الخسائر المالية".

قبل أسابيع، روى أميم، وهو أب لثلاثة أولاد، لفريق فرانس برس الذي زاره في متجره كيف اضطر إلى صرف ثماني موظفات وأبقى على واحدة فقط جراء تراجع حركة البيع.

ورغم عروض قدّمها، قال لفرانس برس حينها "يمتنع الزبائن عن الشراء ولا يكترثون للتنزيلات"، موضحاً أنه حدّد مهلة زمنية لنفسه حتى مطلع الصيف ليقرر ما إذا كان سيبقي متجره مفتوحاً، أو سيقفله لعجزه عن تأمين بدل إيجاره.

إلا أنه لم يتوقع أنه سيجد نفسه سريعاً أمام أزمة جديدة سببها الفيروس الذي أصاب نحو مئة وتسبب بوفاة ثلاثة لبنانيين، وفق وزارة الصحة.

وقال أميم بأسف الإثنين "حين ننتهي من وباء الكورونا، لن نستطيع العودة إلى عملنا من جديد (..) حجم الخسائر الكارثية بلغ ذورته وفقدنا القدرة على تعويضها".

- "أيام قاسية" -

وجراء الأزمة الاقتصادية، فقد عشرات آلاف اللبنانيين على وقع حركة التظاهرات التي شهدتها البلاد منذ 17 تشرين الأول/أكتوبر وظائفهم أو جزءاً من رواتبهم. وأقفلت العديد من المؤسسات في القطاعات كافة على رأسها مجمع تجاري ضخم قرب بيروت.

وفي ظل الانهيار الاقتصادي وشحّ السيولة وخسارة العملة المحلية لأكثر من ثلث قيمتها مقابل الدولار في السوق الموازية، من المرجح أن معاناة اللبنانيين ستتفاقم خصوصاً مع انصراف الجهود الرسمية إلى مكافحة انتشار الوباء.

وأمام متجر للملابس الداخلية حيث تعمل في شارع عزمي، بذلت شيرين (28 عاماً) جهدها طيلة الأسابيع الماضية لإقناع المارة بالدخول والتسوّق.

وخلال جولة لفريق فرانس برس في وقت سابق هذا الشهر في أسواق طرابلس، قالت شيرين بينما وقفت أمام المحل "إن نجحنا في البيع نتقاضى أجورنا. وإن لم نبع، فلا نتقاضاها".

على بعد عشرات الأمتار في شارع عزمي، روى حسام زاهر (60 عاماً) لفرانس برس أن أياماً مرت عليه مؤخراً من دون دخول أي زبون إلى متجره المخصص لبيع الألبسة النسائية.

وقال الرجل الذي افتتح محله قبل 25 سنة، "أزمتي كتاجر هي بفقدان السيولة في الأسواق"، مضيفاً "لم يسبق أن مرّت علينا أيام قاسية كهذه".

وعانت المدينة في العقدين الأخيرين من جولات عنف عدة بين منطقتي باب التبانة ذات الغالبية السنيّة وجبل محسن ذات الغالبية العلويّة أدت لسقوط قتلى. كما تعرّضت المدينة لاعتداءات عدّة، وضاعف النزاع في سوريا المجاورة من التوتّر فيها.

- "شبه مقفلة" -

وجراء الانهيار الاقتصادي، أقفلت عشرات المؤسسات التجارية أبوابها، بينها وفق ما قال رئيس جمعية تجّار شارع عزمي طلال بارودي لفرانس برس ستة محلات لعلامات تجارية في شارع عزمي وأكثر من 120 متجراً في الشوارع المتفرعة عنه.

أما تلك التي "بقيت صامدة بوجه الأزمة الاقتصادية، تعدّ شبه مقفلة، مع توقّفها عن عملية الشراء والبيع"، وفق بارودي، بينما امتنع "غالبية التجار عن شراء البضائع (استعداداً) لمواسم الأعياد لعجزهم عن تسويقها".

ورغم "ثورتها" على الفساد والمحسوبيات، يبدو أن طرابلس لن تتمكن من التخلّص من لقب لطالما حملته وهو "أمّ الفقير" على ما يردد سكانها، الذين يعاني 26 في المئة منهم أساساً من فقر مدقع ويعيش 57 في المئة عند خط الفقر أو دونه.

بعد تنقلّها من واجهة إلى أخرى، من دون الدخول إلى أي من المحال التي اعتادت التسوّق منها، قالت وفاء مرعبي (64 عاماً) لفرانس برس "قدرتنا الشرائية معدومة، والمئة الدولار (أسبوعياً) التي تسمح لنا المصارف بسحبها، نريد صرفها على الطعام".

ويتمكن صغار المودعين في غالبية المصارف من سحب مبلغ يتراوح بين 400 و600 دولار شهرياً فقط جراء القيود المصرفية. ويقدر مسؤولون في البنك الدولي أن نحو أربعين في المئة من السكان باتوا يعيشون تحت خط الفقر.

وللحدّ من خسائره، صرف إسماعيل المقدم (70 عاماً)، صاحب محل لبيع الألبسة الرجالية منذ 45 عاماً، ثمانية موظفين مؤخراً بعدما "انقلبت أحوالنا رأساً على عقب".

وقال لفرانس برس قبل أسابيع بينما جلس خلف مكتب وضع تحت زجاجه عملات قديمة "لم أشهد أياماً بهذه السوء حتى في خضمّ الحرب الأهلية".

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.