سوريا: ماذا يحدث بالمحيط العائلي للأسد بعد نشر ابن خاله رامي مخلوف فيديو يستغيث به؟

رامي مخلوف في فيديو يستغيث فيه بالأسد
رامي مخلوف في فيديو يستغيث فيه بالأسد © صورة من الفيديو

الكثير من التساؤلات تثار حول ما أصبح يعرف بقضية رامي مخلوف في سوريا. رجل الأعمال الذي اعتبر لسنوات الذراع الاقتصادي للنظام، وهو ابن خال الرئيس بشار الأسد، أثار جدلا واسعا بعد نشره فيديوهين، كان آخرهما يوم الأحد، يستنجد فيه بالرئيس السوري من "مضايقات" الأجهزة الأمنية، وما تتعرض له شركاته على أيديها. فما الذي يحدث في المربع العائلي لبشار الأسد؟ ولماذا تم "استهداف" مخلوف أحد رموز محيطه؟ الذي يقول إنه "خدم الأجهزة الأمنية" في أوج الحرب. وهو أحد المدرجين ضمن قائمة العقوبات الدولية لداعمي النظام السوري.

إعلان

ماذا يحدث في المحيط العائلي الضيق للرئيس السوري بشار الأسد؟ السؤال فرض نفسه في سياق الجدل الدائر حول فيديوهين نشرهما ابن خال الرئيس رامي مخلوف، الذي يعد الذراع الاقتصادي للنظام، ويتربع مخلوف على عرش إمبراطورية أعمال متنوعة، أبرزها الاتصالات والعقارات والمقاولات وتجارة النفط. ولعب مخلوف دورا كبيرا في تمويل الأسد خلال الحرب كما قال في آخر فيديو نشره الأحد.

ويظهر رجل الأعمال رامي مخلوف، البالغ من العمر 50 عاما، والمدرح ضمن قائمة العقوبات الدولية لداعمي النظام السوري، في الفيديوهين بلحية كثة، وملامح يعتريها الكثير من الحزن. ويتحدث بنبرة غارقة في الأسى. مظهر لا علاقة له بتلك الصورة التي يحتفظ بها السوريون عن رجل المال والأعمال القوي إلى جانب ابن عمته بشار الأسد في المواكب الرئاسية.

وبدا مخلوف كرجل مغلوب على أمره، يوحي حديثه أن السقف الذي ظل يحميه، منذ تولي بشار الأسد الحكم قبل 20 سنة، سقط فوق رأسه اليوم. ولم يعد أمامه مع هذا الوضع إلا استجداء الرئيس عبر فيديو ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يعني أن أبواب القصر الرئاسي لم تعد مفتوحة أمامه.

"هذا ظلم"

وقال مخلوف الأحد، في ثاني شريط فيديو يبثه خلال ثلاثة أيام على صفحته في فيس بوك ومدته عشر دقائق، "بدأت اليوم الضغوطات بطريقة غير مقبولة (...) وبدأت الأجهزة الأمنية تعتقل الموظفين الذين يعملون لدي"، متسائلا "هل يتوقع أحد أن تأتي الأجهزة الأمنية على شركات رامي مخلوف، الذي كان أكبر داعم لهذه الأجهزة وأكبر راعي لها خلال الحرب؟".

وأكد أنه يخضع لضغوطات للتخلي عن ممتلكاته، حيث أضاف رجل الأعمال الذي يعتقد أنه في سوريا، أنه "طُلب مني اليوم أن ابتعد عن الشركات وأن أنفذ تعليمات... وبدأت الضغوطات بسحب الموظفين والمدراء"، مشيرا إلى أنه تلقى تهديدات "إما أن تتنازل أو نسجن كل جماعتك". وناشد الأسد التدخل لوقف الضغوط.

05:37

وظهر رجل الأعمال السوري مندهشا لما يحصل له اليوم. وقال مخلوف في الفيديو الأول: "هذا ظلم واستخدام سلطة في غير محلها... سبق أن طلبت من سيادة الرئيس بالتدخل بإنصاف شركاتنا... وكان الهدف هو مناشدته لوضع حد للتدخلات المحيطة حول صاحب القرار، لأنها صارت لا تطاق ولا تحتمل وصارت بدرجة مقرفة وخطرة... والله هذا اسمه ظلم وتعدي على الملكيات الخاصة".

من هو مخلوف؟

ومخلوف، ابن خال الأسد، أحد أعمدة النظام الاقتصادية منذ عقود واسمه مدرج على القائمة الأمريكية السوداء منذ العام 2008. ويرأس رجل الأعمال، الذي طالما بقي خلف الأضواء، مجموعة شركات أبرزها شركة "سيريتل" التي تملك نحو سبعين في المئة من سوق الاتصالات في سوريا.

وطالبت هيئة الاتصالات السورية التابعة للدولة الأسبوع الماضي الشركتين المشغلتين للهاتف الخلوي في البلاد بدفع "مبالغ مستحقة للخزينة العمومية تبلغ 233,8 مليار ليرة سورية" (334 مليون دولار)، استنادا إلى قرار صدر عن رئاسة الوزراء، وفي مهلة تنتهي الثلاثاء المقبل.

وقدر مخلوف، في أول شريط فيديو بثه ليل الخميس، قيمة المبلغ المُطالب بتسديده بين 125 مليار (178,5 مليون دولار) و130 مليار ليرة، معتبرا أن مطالب الدولة "غير محقة". وناشد الأسد التدخل لإنقاذ شركته عبر "جدولة" المبلغ حتى "لا تنهار الشركة".

وبرغم توجه مخلوف للمرة الثانية إلى الأسد واصفا إياه بـ"صمام الأمان"، يؤكد شريطا الفيديو وجود توتر بينه وبين الرئيس السوري بعدما تحدثت تقارير إعلامية عدة عن خلافات بينهما لم تتضح حقيقتها، وعن مصادرة وسائل إعلام محلية كان يديرها مخلوف ومقرات جمعية خيرية تابعة له.

وأصدرت السلطات السورية في كانون الأول/ديسمبر سلسلة قرارات بالحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة لعدد من كبار رجال الأعمال في سوريا، بينهم مخلوف وزوجته وشركاته. ووجهت إلى رجال أعمال تهما بالتهرّب الضريبي والحصول على أرباح غير قانونية خلال سنوات الحرب.

ويعتبر مخلوف رمزا من رموز نظام الأسد، الذين لديهم منذ البداية صورة سيئة لدى المحتجين الذين خرجوا للتظاهر في مارس/ آذار 2011 ضد الفساد والحكم الاستبدادي والمطالبة بالديمقراطية والحرية في البلاد.

وينتمي مخلوف، مثل الأسد، للطائفة العلوية التي تمثل أقلية في سوريا، لكنها تمسك بزمام السلطة هناك. ويدين مخلوف في تكوين ثروته للأسد. وسرت شائعات في دوائر الأعمال الخاصة العام الماضي بأن مخلوف فقد حظوته لدى الأسد. لكنه كان بعيدا عن دائرة الضوء إلى أن ظهر في أول تسجيل مصور الخميس الماضي.

وسمعته السيئة نتيجة دعمه لنظام الأسد تجاوزت الحدود السورية، حيث فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات عليه عند بدء الصراع السوري في 2011، متهما إياه بتمويل الأسد. كما سلطت عقوبات أمريكية على الملياردير منذ 2008 على خلفية ما تصفه واشنطن بالفساد العام، وتشدد منذ ذلك الحين الإجراءات ضد كبار رجال الأعمال المقربين منه.

"إصلاحات" تحت ضغط روسي

المحلل اللبناني وفيق إبراهيم أرجع في حديث لفرانس24 انفجار قضية رامي مخلوف إلى الوضع الاقتصادي للبلاد، حيث يقول "هناك إفلاس في الدولة التي تتراكم عليها الديون" والتي "أصبحت اليوم مطالبة بالكثير من النفقات"، ولم يعد أمامها الكثير من الاختيارات. "وهي اليوم تذهب لآخر هذه الاختيارات بما في ذلك محيط الرئيس وعلى رأسهم رامي مخلوف، الذي سيجرد من جزء كبير من ممتلكاته".

ولا يخفى ما للعامل الروسي من دور في هذه التطورات الجديدة في علاقة الأسد برامي مخلوف. فالأسد يتصرف تحت ضغط موسكو، التي "تدفع النظام لإرسال إشارات إلى العالم على أنه دخل في خطوات إصلاحية، ولا يمكنها أن تسوقه خارجيا دون أن يعمل على تلميع صورته داخليا" حسب قول وفيق ابراهيم.

وهذا الوضع يوحي بأن "سوريا مقبلة على مرحلة أخرى" حسب قراءة وفيق إبراهيم، ليست بالفهم الإيجابي للأشياء، وملامحها بدأت ترتسم منذ الآن، سيدفع ثمنها خاصة من اغتنوا خلال الحرب من المحسوبين على محيط الأسد، الذي لا يتوفر على الكثير من الخيارات لضمان حماية الحليف الروسي إلا "بتنفيذ أجندته الاقتصادية والسياسية"، وقد تكون في معظمها على حساب المقربين منه.

أما بالنسبة للصراع الطائفي الذي يرى به البعض هذه التطورات الجديدة في مربع الحكم السوري، بين سنيين تحت إمرة زوجته أسماء الأسد وعلويين ينتمي إليهم الرئيس، لا يبدو مقنعا، بالنسبة للمحلل السياسي، باعتبار "أن روسيا سترفض أي تحرك على هذا الأساس"، لأن هدفها هو إظهار النظام السوري للعالم في صورة "الدولة غير الطائفية".

 

بوعلام غبشي

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم