هل "تخلت" الحكومة المغربية عن مشروع قانون مواقع التواصل الاجتماعي تحت "الضغط الشعبي"؟

رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني
رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني © أ ف ب/ أرشيف

قررت الحكومة المغربية الأحد تأجيل النظر في مشروع قانون حول استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن وجهت له انتقادات كثيرة، بسبب تضمنه مادة لـ"تكميم الأفواه"، حسب توصيف منتقديها، تعرض للسجن والغرامة أو إحدى العقوبتين من يستخدمون شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح في الدعوة إلى مقاطعة منتوجات أو بضائع أو خدمات وطنية، أو التحريض على ذلك. وكان المغرب شهد حملة مقاطعة لمنتوجات بسبب غلاء أسعارها تضررت على إثرها بعض الشركات. واعتبر هذا التأجيل سحب غير مباشر للمشروع، أجمعت الصحافة المغربية على أنه جاء جراء ضغط "الرفض الشعبي" له. فهل فعلا هو سحب نهائي لهذا للمشروع المثير للجدل؟

إعلان

أثار مشروع قانون حول استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب الكثير من الانتقادات، ووجه برفض شعبي واسع، ما أرغم الحكومة على تأجيل النظر فيه عبر إعلان بهذا الشأن لوزير العدل محمد بنعبد القادر، المحسوب على حزب الاتحاد الاشتراكي اليساري، والمشارك في حكومة يترأسها "العدالة والتنمية" الإسلامي، إلى جانب أحزاب أخرى بوزير وحيد.

وطلب بنعبد القادر الأحد من رئيس الحكومة "تأجيل أشغال اللجنة الوزارية بشأن مشروع القانون"، وأرجع ذلك إلى "الظروف الخاصة التي تجتازها البلاد في ظل حالة الطوارئ الصحية، إلى حين انتهاء هذه الفترة". وفق ما جاء في بيان نشرته وكالة المغرب العربي للأنباء الرسمية.

ودعا وزير العدل في الوقت نفسه إلى "إجراء مشاورات مع كافة الهيئات المعنية، حتى تكون الصياغة النهائية لهذا المشروع مستوفية للمبادئ الدستورية ومعززة للمكاسب الحقوقية بالبلاد". كرد منه على الاتهامات التي طاولته بضرب المكتسبات الحقوقية عبر هكذا مشروع، واستغلال انشغال المغاربة بمحاربة وباء كورونا لتمريره.

ما هو مشروع القانون 22.20؟

وكانت الحكومة المغربية صادقت في 19 مارس/آذار الماضي على نسخة أولية من مشروع القانون (22.20)، الذي أصبح يعرف في مواقع التواصل الاجتماعي المغربية بمشروع قانون "تكميم الأفواه"، "مع الأخذ بعين الاعتبار الملاحظات المثارة في شأنه بعد دراستها من طرف اللجنة التقنية ثم اللجنة الوزارية المحدثتين لهذا الغرض".. ويركز المشروع على استخدام شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح للدعوة إلى مقاطعة منتوجات أو بضائع أو خدمات وطنية أو التحريض على ذلك.

وجاء بعقوبات قاسية ضد المخالفين، تتراوح بين السجن والغرامة، أو بإحدى العقوبتين. ويعاقب من دعا إلى مقاطعة منتوجات أو بضائع أو خدمات، أو قام بالتحريض علانية على ذلك، عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو شبكات البث المفتوح، إلى الحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من 5000 إلى 50000 ألف درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط. والعقوبة نفسها تطبق ضد من قام عمدا بحمل العموم أو تحريضهم على سحب الأموال من "مؤسسات الائتمان أو الهيئات المعتبرة في حكمها".

كما يعاقَب كل من بث محتوى إلكترونيا يتضمن خبرا زائفا من شأنه التشكيك في جودة وسلامة بعض المنتوجات والبضائع وتقديمها على أنها تشكل تهديدا وخطرا على الصحة العامة والأمن البيئي، بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من 2000 إلى 20 ألف درهم.

ومشروع القانون هذا، يعود بذاكرة المغاربة إلى 2018، حيث شنوا حملات مقاطعة ضد شركات وطنية بسبب غلاء أسعار موادها، تجاوبت معها أعداد كبيرة من المغاربة ما عرض هذه المؤسسات لخسائر اقتصادية معتبرة.

انتقادات واسعة لوزير العدل وحزبه الاتحاد الاشتراكي

تسريب المشروع بعد أيام قليلة من المصادقة عليه في قراءة أولى، إلى الرأي العام أشعل نار الانتقاد ضد وزير العدل، صاحب المسودة الأولى للمشروع التي تم تسريبها، بل استهدف حتى حزبه الاتحاد الاشتراكي، بحكم أن هذا التنظيم السياسي اليساري، قدم الكثير نضاليا وسياسيا منذ عقود، إلا أن شعبيته تراجعت قبل سنوات، حيث دفع الثمن غاليا لمشاركته فيما عرف بحكومة التناوب في 1998 برئاسة زعيمها وقتها عبد الرحمان اليوسفي. وكانت أول حكومة يشارك فيها اليسار المغربي.

وفي البداية، حاول البعض من مناضلي هذا الحزب الدفاع عن المشروع بمجموعة من التبريرات الحقوقية والسياسية، قبل أن يقرر عدد منهم التبرؤ منه. وأصدرت نهاية الأسبوع "الكتابة الإقليمية" للحزب في مراكش بيانا تؤكد فيه "تشبثها المطلق بفلسفة وروح ومضامين الحقوق والحريات كما هي متعارف عليها كونيا".

وطالبت الحكومة "بالسحب الفوري لما سمي بمشروع قانون 22.20، على اعتبار أنه يتضمن موادا تمس في العمق بالحق في التعبير والرأي، وهو ما يتناقض مع قناعات الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وما قدمه من تضحيات جسام لإقرار الحق في التعبير والرأي". وكانت الكتابة الإقليمية لهذا الحزب في منطقة سوس بدورها تبرأت من المشروع، ما عرضه لهزة خطيرة كان ممكنا أن تتسبب في تشتيته.

ووجد حزب المهدي بنبركة نفسه وحيدا أمام سيل من الانتقادات حتى من الحزب الرئيسي في الحكومة وحليفه فيها "العدالة والتنمية"، الذي تجاوز مبدأ التضامن الحكومي كما تفرضه مثل هذه اللحظات السياسية، وحاول الظهور بأنه أكثر دفاعا عن الحريات وحقوق الإنسان، إذ شددت أمانته العامة أن أي تشريع يجب أن "يراعي ضمان ممارسة الحقوق والحريات الأساسية، في نطاق المسؤولية، ومن ضمنها حرية الفكر والرأي والتعبير بكل أشكالها، ورفضها لأي مقتضيات تشريعية تتعارض مع ممارسة هذه الحريات المقررة والمكفولة دستوريا...".

تأجيل أم سحب للمشروع؟

ومع الرفض الهائل للمشروع، لم يكن أمام الحكومة المغربية إلا تأجيل النظر فيه، فيما كان محللون يترقبون إعفاء وزير العدل من مهمته، حسب أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري رشيد لزرق، الذي يعتبر أنه كان من المفروض الاستغناء عن خدمات الوزير على غرار "حسن عبيابة وزير الثقافة والشباب والرياضة، الناطق الرسمي باسم الحكومة"، الذي اعتبرت الصحافة المحلية أن عزله كان بسبب ارتكابه مجموعة من الأخطاء.

ويقول لزرق: "ما كان متوقعا هو رفع الاتحاد الاشتراكي اليد عن هذا الوزير عبر طلب من رئيس الحكومة العثماني اقتراح إعفائه على الملك بموجب الفصل 47 من الدستور، بدل الحديث عن التأجيل سعيا لحفظ ماء وجه الوزير الذي أظهر جهلا في صياغة مشروع القانون.."، معتبرا أن المغاربة أمام "حكومة انعدام الكفاءات بامتياز".

وبالنسبة لأستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري، الأمر لا يتعلق بتأجيل فقط وإنما "تجميد" للمشروع، بمعنى سحب نهائي له، خاصة وأن المشروع، جاء بـ"المادة 14 فقط أما باقي الفصول متواجدة في القانون الجنائي المغربي"، وهي المادة المثيرة للجدل في المشروع.

ويعتبر لزرق أن مشروع القانون هذا، "يفرغ تراكمات المكاسب الحقوقية ويكشف النزوع التسلطي والانقلابي على الدستور"، حسب تقديره، "في وقت يستدعي الأمر تكاثف جهود الجميع لإعمال قيم الخيار الديمقراطي دعما لما تقوم به الحركة الحقوقية في الدفاع عن حقوق الإنسان...".

 

بوعلام غبشي

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم