المجر ما زالت تعيش هاجس "تفكيكها" في تريانون قبل مئة سنة

إعلان

سيغيد (المجر) (أ ف ب)

بالنسبة للمجريين، لا يذكّر اسم "تريانون" بأحد قصور ملوك فرنسا، بل بمعاهدة رسمت في 1920 حدود بلدهم وما زالت بعد مئة سنة على توقيعها ماثلة في الأذهان وفي الخطاب السياسي.

وتحيي بودابست الخميس ذكرى مرور مئة عام على معاهدة تريانون التي وقعت في الرابع من حزيران/يونيو 1920 في قصر تريانون الكبير في فرساي مع القوى التي انتصرت في الحرب العالمية الأولى.

ونصت المعاهدة على تفكيك امبراطورية النمسا المجر. واضطرت المجر للتخلي عن ثلثي أراضيها لجيرانها وخسرت ثلاثة ملايين شخص من الناطقين بالمجرية.

ولهذه الذكرى التي أعد لها منذ سنوات، أرادت الحكومة القومية برئاسة فكتور أوربان احتفالا "ضخما وكبيرا" وإن اضطرت لتأجيل تدشين نصب "للتلاحم الوطني" في بودابست يحتفي بالمناطق الضائعة بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد.

وستعيش كل البلاد الخميس الذكرى المئوية لمعاهدة سببت لكثيرين جرحا وطنيا.

وعلى بعد مئتي كيلومتر عن العاصمة، ستنكس مدينة كوبيكهازا أعلامها. وعند مدخل البلدة يشكل عمود نقطة التقاء الحدود الثلاثية المجرية الرومانية الصربية، مذكرا بأن المنطقة كانت في الصف الأول للتبدلات الهائلة في الأراضي. وعلى النصب كتب تاريخ الرابع من حزيران/يونيو 1920.

وقال رئيس بلدية كوبيكهازا روبرت مولنار اليميني المستقل عن الأغلبية الحاكمة إن "الحدود الجديدة قسمت قرى وعائلات".

- جواز سفر وحق التصويت -

في "متحف تريانون" على بعد حوالى مئة كيلومتر عن بودابست، يضم المعرض في جزء كبير منه الوثائق التاريخية التي تعود إلى عشرينات القرن الماضي، وتتسم بدعاية إعلامية كثيفة للمجر من أجل مراجعة الحدود التي رسمت في تريانون.

ما زال هذا الخطاب المتشدد يغذي شرائح واسعة من اليمين المتطرف المجري. وليس من النادر رؤية خرائط لـ"المجر الكبرى" تعود إلى ما قبل 1918، مطبوعة على ملصقات أو تباع في محلات القطع التذكارية.

ومنذ عودته إلى السلطة قبل عشر سنوات، أحيا فكتور أوربان موضوع تريانون ليغذي الشعور بالظلم الذي سببته القوى الكبرى للمجريين، مقدما نفسه في ذات الوقت كحام للشتات "خارج الحدود".

ومنذ 2010، خصص الرابع من حزيران/يونيو ليكون "يوما للتلاحم الوطني". في السنة نفسها فرضت الحكومة قانونا يمنح حوالى مليوني شخص من الناطقين باللغة المجرية في الدول المجاورة الجنسية المجرية وحق التصويت.

ووزع حوالى مليون جواز سفر خلال عسر سنوات على هذه الأقليات التي تصوت بأغلبية ساحقة لحزب فكتور أوربان "التحالف المدني المجري" (فيديس). ورافقت هذه الخطوة تمويلات كبيرة من بودابست للمدارس والمؤسسات الاجتماعية المحلية كما في منطقة ترانسيلفانيا في رومانيا.

ويتهم المعارضون رئيس الوزراء باللعب على الوتر الحساس لبلد كان دوماً ضحية التاريخ، من تريانون إلى الشيوعية والليبرالية بعد 1989 وأخيرا سياسة الهجرة التي يتبعها الاتحاد الأوروبي.

- نسيان تريانون -

تبرز الروايات التاريخية على وحدة المجر قبل الحرب وتتجنب ذكر نقاط الضعف المرتبطة بامبراطورية النمسا المجر التي أضعفتها أزمة اجتماعية قبل 1914 وكان النمسويون والمجريون يهيمنون فيها على شعوب أخرى.

وكشف تحقيق أجرته اللجنة العلمية لمئوية تريانون أن 85 بالمئة من الذين استطلعت آراؤهم يعتبرون المعاهدة "أكبر فاجعة شهدتها البلاد". وهذه الذاكرة ليست من صنع اليمين السيادي.

فقد وعد رئيس بلدية بودابست الليبرالي والمعارض بشدة لرئيس الوزراء بالوقوف دقيقة صمت في العاصمة في هذه الذكرى الخميس.

وتساءل المؤرخ غابور إيغري "كيف نخرج من صدمة تريانون؟". وعبر عن أسفه لأن "الاحتفالات الرسمية لا تركز سوى على الخسائر والآلام".

ويقول بالاس إيلوير إنه لو كان الأمر يعود إليه "لنسي طوعا الجدل حول تريانون". وقد فر مصور الفيديو هذا البالغ من العمر 34 عاما وينتمي لعائلة مجرية في منطقة فويفودين الصربية، من حروب يوغوسلافيا في تسعينات القرن الماضي ليلجأ إلى المجر.

ويضيف لوكالة فرانس برس أن ذلك علمه أن "خطوط الحدود ليست هي ما يؤثر على وجود البشر بل الاعتداءات القومية".