هل تسبب الدرك الفرنسي في اختناق الشاب من أصل أفريقي آداما تراوري الذي تردد قضيتة صدى مقتل فلويد؟

مظاهرة في باريس للتنديد بـ"عنف الشرطة ضد الأقليات" وللمطالبة بـ "العدالة" للشاب الفرنسي آداما تراوري. 2 يونيو/حزيران 2020.
مظاهرة في باريس للتنديد بـ"عنف الشرطة ضد الأقليات" وللمطالبة بـ "العدالة" للشاب الفرنسي آداما تراوري. 2 يونيو/حزيران 2020. © أ ف ب

عادت قضية الشاب الفرنسي من أصول أفريقية آداما تراوري، والذي توفي في 19 يوليو/تموز 2016 بإحدى ضواحي باريس إثر عملية مطاردة من قبل رجال الدرك، إلى الواجهة تزامنا مع الاحتجاجات في الولايات المتحدة على خلفية مقتل جورج فلويد في مينيابوليس بعد توقيفه من قبل الشرطة. وتعمل عائلة تراوري على إثبات مسؤولية رجال الأمن في وفاته، بانتظار بت القضاء مجددا في القضية.  

إعلان

مظاهرة للتنديد بـ"عنف الشرطة المفرط بحق الأقليات"، واحتجاجات تخللتها مواجهات وتراشق بالحجارة مع الشرطة، وشعارات غالبيتها بالإنكليزية تحمل دلالات قوية عابرة للقارات "حياة ذوي الأصول الأفريقية لها قيمة" ("بلاك لايفز ماتر"، "آي كانت براث" (لا أستطيع التنفس)، "العدالة لآداما".

جرت هذه المظاهرة الثلاثاء أمام قصر العدالة في باريس، أكبر المحاكم الفرنسية، وشارك فيها الآلاف، مطالبين بمحاسبة من وصفوهم بـ "قتلة" الشاب الفرنسي من أصول أفريقية آداما تراوري الذي مات أثناء استجوابه من قبل شرطيين في 19 يوليو/تموز من عام 2016.

للمزيد - فرنسا: مواجهات عنيفة في باريس بين محتجين وقوات الأمن خلال مظاهرة للمطالبة بالعدالة لأداما تراوري الذي توفي في عملية توقيف

وجاءت هذه المظاهرة وكأنها صدى لما يحدث ما وراء المحيط الأطلسي، بالولايات المتحدة، على خلفية مقتل أمريكي من أصول أفريقية اسمه جورج فلويد في 25 مايو/أيار لدى توقيفه بمدينة مينيابوليس (ولاية مينيسوتا، شمال شرق البلاد) عندما ضغط أحد رجال الشرطة بركبته على عنقه إلى أن فارق الحياة. وكان يردد قبل وفاته "آي كانت براث".

وفاة آداما تراوري وبداية معركة قضائية...

وجاءت المظاهرة أيضا وسط موجة احتجاجات عالمية ضد ظواهر العنصرية وعنف الشرطة عقب موت فلويد (46 عاما). وفيما اتهمها بعض الأطراف السياسية والأمنية باستغلال "قضية فلويد" التي تلقت صدى عالميا واسعا لأغراض ذاتية، نددت آسا تراوري، وهي شقيقة آداما والناطقة باسم لجنة "الحقيقة لآداما"، بما سمته "ظلم" العدالة. وقالت "عندما نناضل من أجل جورج فلويد نناضل من أجل آداما تراوري".

وتفجرت مأساة عائلة تراوري في 19 يوليو/تموز 2016 عندما سعت قوات الأمن بضاحية بومون سو واز الشعبية، شمالي باريس، لاعتقال واستجواب باغي، الأخ الأكبر لآداما، في قضية اختلاس أموال. وكان آداما (24 عاما) ساعتها برفقة أخيه، فلاذ بالفرار عند رؤية عناصر الدرك يقتربون منهما لتبدأ عملية مطاردة انتهت بتوقيفه ونقله إلى ثكنة بمدينة برسان المجاورة.

وفقد آداما الوعي خلال نقله إلى الثكنة، ليلفظ أنفاسه الأخيرة داخل أسوارها بعد عملية التوقيف بساعتين. وحددت بعض المصادر ساعة الوفاة بعد الثامنة مساء بقليل. وفور علمها بوفاته لم تترد عائلة تراوري في اتهام عناصر الدرك بالتسبب بموته، ما فتح الباب أمام معركة قضائية شائكة لا تزال متواصلة. وتميزت هذه المعركة أساسا بتحقيقات طبية وتحقيقات مضادة اختلفت نتائجها في كل مرة.

آداما يرقد إلى جانب والده في باماكو

وبعد تسلم الجثة، تم دفن آداما تراوري في 7 أغسطس/آب 2016 بمقبرة كالابونكرو بأحد أحياء العاصمة المالية باماكو حيث أصل أوليائه، غير بعيد عن قبر والده المتوفى في عام 1999.        

وكان آداما على ما يبدو معروفا لدى القضاء لكن المعلومات المتعلقة بسجل سوابقه الجنائية متضاربة حسبما ما وردت من العائلة أو من الشرطة. ولم يعرف عنه الكثير لا قبل ولا بعد مأساة وفاته. ولكن الأهم ليس في السوابق الجنائية بل في أسباب وفاة هذا الشاب.

فبالنسبة إلى عائلته، ما من شك أن عناصر الدرك قد تسببوا في موته جراء "تقنيات" التوقيف والاعتقال التي استخدموها والتي تشبه إلى حد كبير ما أدى إلى وفاة جورج فلويد في مينيابوليس، أي تثبيت المشتبه به أرضا وإلقاء (رجال الأمن) الثقل عليه. أما الشرطة، فرفضت الاعتراف بأي مسؤولية في موته، قائلة إنه كان يعاني من مرض القلب، مستندة في ذلك إلى تحقيقات الطب الشرعي التي أمرت بها النيابة العامة.

من المسؤول؟

وجرى أول تحقيق طبي في موت آداما تراوري غداة وفاته، وشدد وكيل الجمهورية في مدينة بونتواز (حيث مقر إقليم فال دواز، شمال باريس)، إيف جانيه، يومها على أن عناصر الدرك لم ترتكب أي هفوة من شأنها أن تكون وراء موت الشاب. وأكد جانيه أن آداما كان يعاني من "التهاب طال عدة أعضاء في جسمه".

إلا أن مجموعة من الخبراء أجرت تحقيقا مضادا بعد أسبوع من التحقيق الأول وأكدت أن وفاة تراوري وراءها "أعراض اختناق"، ما أدى إلى التشكيك في نية وكيل الجمهورية. وعلى إثرها، تكلف قضاة باريسيون بالقضية.

وفي سبتمبر/أيلول 2016، أجري تحقيق آخر خص "أعضاء" آداما تراوري وخلص إلى ربط موته بمرض القلب الذي كان يعاني منه. لكن تحقيقا مضادا (خص الأعضاء أيضا) بتاريخ 3 يوليو/تموز أكد فرضية "الموت باختناق" دون أن يحدد مسؤولية عناصر الدرك فيها.

"جريمة" أم وفاة طبيعية؟

وفي 14 سبتمبر/أيلول 2018، قامت مجموعة من أربعة خبراء بتحقيق أكد تبرئة عناصر الدرك، معتبرا أن آداما تراوري كان في وضع صحي حرج قبل وصولهم إلى المكان الذي اعتقل فيه. وقالوا إنه توفي جراء مرض وراثي تسبب في اختناقه بعد "جهد بدني" (أي إثر فراره). وأغلق القضاة ملف تراوري في نهاية 2018 دون توجيه أي تهمة لعناصر الدرك.

لكن عائلة آداما تراوري لم تستسلم. فقد كشفت في 11 مارس/آذار عن تقرير طبي قام به أربعة أخصائيين كبار بمستشفيات باريس بطلب منه، واصفين نتائج التقرير السابق بأنه مجرد "تأويلات نظرية" وطلبوا مواصلة التدقيق في فرضية الاختناق.

وعلى إثر هذا التحقيق، أمر القضاء بتحقيق جديد صدرت نتائجه في 24 مارس/آذار الماضي واستبعدت الموت باختناق. وردت عائلة تراوري بتقرير طبي الثلاثاء يؤكد موت آداما "باختناق".

ويعود الأمر مجددا للقضاء لأجل البت في القضية.

علاوة مزياني

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم