الشرطة الفرنسية... بين من يتهمها بـ"العنصرية" ومن يعتبرها "حامية للقانون"

أ ف ب

ألقت المظاهرات التي تشهدها الولايات المتحدة إثر وفاة جورج فلويد، وهو من أصول أفريقية أثناء توقيفه من قبل شرطي، صدىً في الشارع الفرنسي وعلى مستوى النقاش السياسي والإعلامي. فثمة من يقول إن الشرطة الفرنسية "عنصرية" ولا تتصرف بشكل قانوني إزاء بعض المواطنين من أصول أجنبية، ومن يدافع عنها بالقول إنها تلتزم بالقانون في أداء عملها وما هي إلا "مرآة للمجتمع الفرنسي بأكمله".

إعلان

أحيت واقعة مقتل جورج فلويد، المواطن الأمريكي من أصول أفريقية على يدي شرطي في ولاية مينيابوليس في 25 مايو/أيار الماضي نقاشا عاما حول تصرفات ودور الشرطة في فرنسا.

فيما أعادت المظاهرات التي خرجت الثلاثاء بباريس للتنديد بظروف وفاة الشاب أداما تراوري داخل مقر للدرك الوطني هذا النقاش إلى الواجهة، إذ أصبح يُتداول بكثافة في الأوساط السياسية والإعلامية الفرنسية.

فيما ارتفعت أصواتا هنا وهناك في فرنسا، وخصيصا على مواقع التواصل الاجتماعي والتي تزعم بأن الشرطة تتصرف بشكل عنصري.

أسئلة عديدة حاول فريديريك فو، المدير العام للشرطة الفرنسية، الإجابة عنها عبر حوار نظمته يومية "لوبارزيان" بينه وبين مواطنين فرنسيين من مختلف الأعمار والفئات الاجتماعية.

"هناك من يكره الشرطة لأسباب إيديولوجية"

فردا على سؤال "لماذا الفرنسيون الذين صفقوا بحرارة للشرطة بعد الاعتداءات الإرهابية في 2015 أصبحوا اليوم يكرهونها"؟، أجاب فريديريك فو قائلا "طبعا الشرطة ترمز إلى القمع. بشكل عام، يوجد تحدٍ لكل شيء يرمز إلى القانون وإلى المؤسسات. فهناك من يكره الشرطة لأنها تعارض وتكافح بعض الأنشطة الإجرامية وغير القانونية. وهناك من لا يحبها لأسباب إيديولوجية محضة"، لكن أكد بالمقابل أن "غالبية الفرنسيين راضون بما تقوم به الشرطة وبتصرفاتها، بالرغم من أن صورتها متدهورة أكثر في بعض المناطق مقارنة بأخرى".

وأضاف هذا المسؤول الأمني "الشرطة الفرنسية ما هي إلا مرآة للمجتمع الفرنسي. فالعناصر الذين يعملون فيها يأتون من جميع المناطق وينحدرون من أصول مختلفة ويملكون أفكارا سياسية متباينة، شأنهم شأن المجتمع الفرنسي".

وشدد فريديريك فو بأن الشرطة الفرنسية "ليست عنصرية" كما يدعي البعض وأن كل "التصرفات العنصرية يتم معاقبتها والتحقق منها من قبل المفتشية العامة للشرطة الوطنية التي تتلقى كل شكاوى المواطنين".

أصوات تندد بتصرفات الشرطة

بالمقابل رفض هذا المسؤول الأمني فكرة تقديم وصل من قبل الشرطة لكل شخص يتم توقيفه أو مراقبته في الشارع لأن أن هذا المقترح حسبه سيزيد عمل رجال الأمن شقاء ويمنعهم من التفرغ إلى أنشطة أمنية أخرى تكتسي أهمية بالغة في عيون المواطنين.

وارتفعت في الآونة الأخيرة الأصوات المنددة بتصرفات بعض عناصر الشرطة الفرنسية إزاء مواطنين من أصول عربية وأفريقية، من بينها المغنية كاميليا جوردانا التي صرحت في برنامج تلفزيوني شهير "فرنسيون من أصول عربية وأفريقية يتعرضون إلى عنف الشرطة وهناك آلاف الأشخاص الذين لا يشعرون بالأمان أمامها. وأنا واحدة منهم".

هذه التصريحات أثارت ردود فعل متباينة بين مؤيد ومنتقد. الأمر الذي جعل وزير الداخلية الفرنسي كريستوف كاستانير يتدخل شخصيا في النقاش ويرد على المغنية قائلا "لا يا سيدتي. الرجال والنساء الذين يذهبون إلى العمل كل صباح في الضواحي لا يتعرضون إلى القتل بسبب لون بشرتهم. هذه الأقوال الكاذبة تجلب العار وتغذي الكراهية والعنف".

إصلاح الجهاز الأمني الذي يراقب الشرطة

لكن آمال بن تونسي، وهي عضو في منظمة طوارئ "شرطتنا تَقتُل" تدافع عن موقف مخالف تماما عن تصريحات وزير الداخلية.

وصرحت "في فرنسا ننكر الحقيقة. كل الذين ينتقدون تصرفات الشرطة العنيفة يتم انتقادهم في الإعلام. السياسيون والوزراء يصعدون من لهجتهم للدفاع عن الشرطة"، مضيفة "الفرنسيون لا يرغبون في اتخاذ مواقف إزاء هذا الموضوع خوفا من أن يتم اتهامهم بمعاداة الشرطة أو وصفهم بغير الجمهوريين، علما أن في فرنسا هناك أشخاص كثيرون مثل جورج فلويد".

من ناحيته، انتقد رئيس الجمعية المناهضة للعنصرية دومنيك سوبو "العنصرية التي تسود في أوساط الشرطة الفرنسية"، منوها إلى إن "الشرطة تقوم أكثر بتوقيف المواطنين من العمل على حمايتهم".

أما يوسف براكني، وهو عضو في لجنة "الحقيقة لأداما تراوري"، فدعا إلى "محاسبة بعض الشرطيين الذين يتصرفون بشكل غير قانوني" و"إصلاح الجهاز الذي يقوم بمراقبة تصرفات رجال الأمن" أو ما يسمى بـ"شرطة الشرطة" وهي فكرة دافع عنها كثير من النواب الفرنسيين، من بينهم إستير بن باسة من حزب الخضر.

محكمة الاستئناف تدين الدولة الفرنسية

وجدير بالذكر أن محكمة الاستئناف قامت في 2016 بإدانة الدولة الفرنسية على خلفية شكوى رفعها 16 شخصا من أصول أفريقية ضد الشرطة بتهمة أنهم تعرضوا إلى "رقابة غير مبررة" وإلى "الشتم" في حي "لا ديفانس" قرب باريس.

إلى ذلك، أكد المدير العام للشرطة الفرنسية فريدريك دفو أن "من بين 1500 تحقيق قضائي تقوم به المفتشية العامة للشرطة الوطنية (شرطة الشرطة) 30 منها فقط لها علاقة بالعنصرية"، موضحا أن "المفتشية العامة للشرطة الوطنية تقوم بعملها بكل حزم ولا تتسامح مع أي شرطي مخطئ".

نفس الكلام تقريبا قالته آن هيدالغو، عمدة باريس في حوار مع إذاعة "فرانس أنتير" فاعتبرت أنه "لا يمكن القول بأن الشرطة الفرنسية عنصرية، بل هناك بعض التصرفات العنصرية. الحل الوحيد لهذه المشكلة يمر عبر القضاء والقانون".

كيف يمكن أن تتعايش الشرطة مع المواطنين الفرنسيين بسلام؟

فهل هناك أوجه التقارب في الممارسات بين الشرطة الفرنسية والأمريكية؟ بالنسبة للباحث ماتيو زاغرودسكي، الجواب هو "لا". فبحسبه "هناك فرق بين البلدين، خاصة في ما يخص علاقتيهما بالعنف واستخدام الأسلحة. ففي فرنسا الشرطة تصيب أكثر المواطنين بجروح بينما في الولايات المتحدة الشرطة تقتل أكثر. والدليل أن حوالي 1500 شخص يُقتلون سنويا على يد الشرطة في الولايات المتحدة مقابل 20 في فرنسا".

فما هو الحل يا ترى لكي تتعايش الشرطة مع المواطنين الفرنسين بسلام ولكي يتم تقليص أعمال العنف من الجهتين؟

بالنسبة لكريستوف كاريل، وهو شرطي سابق ورئيس منظمة أغورا للمواطنين ورجال الشرطة والقضاء، الحل يكمن في فتح قنوات الحوار بين الجميع، خاصة في الأحياء الشعبية والضواحي الفرنسية.

"لقد فقدنا التواصل المقرب مع 90 بالمئة من الفرنسيين لأننا نركز عملنا فقط على 10 بالمئة من الباقين والذين يشكلون فئة المنحرفين والمجرمين". ولم ينفِ هذا الشرطي السابق وجود "تصرفات عنصرية في صفوف الشرطة لأن هذا المشكل يطال المجتمع الفرنسي بأكمله"، داعيا إلى "تحسين نوعية التكوين في المدارس الخاصة ومتابعتهم طيلة حياتهم المهنية نفسيا" لكي يحسنوا أداءهم.

 

فرانس24

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم