ما هي "عملية قرطاج" وهل أثرت في الانتخابات الرئاسية التونسية؟

ناخبون تونسيون يأخذون صورة تذكارية بعد الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية، 15 سبتمبر/أيلول 2019.
ناخبون تونسيون يأخذون صورة تذكارية بعد الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية، 15 سبتمبر/أيلول 2019. رويترز

هل وقعت الساحة التونسية ضحية حملة إلكترونية تضليلية، كان الغرض منها التأثير في اختيارات الناخبين في الانتخابات الرئاسية الأخيرة؟ الإجابة جاءت بها نتائج تحقيق أنجزه مركز بحث أمريكي، نشرت مضامينه خلال الأسبوع الأول من الشهر الجاري. وكشف التحقيق أن شركة تونسية مارست تضليلا إلكترونيا عبر ما أسماه "عملية قرطاج"، لتوجيه الناخبين في الاقتراع الرئاسي. ولم تقتصر العملية على هذا البلد المغاربي فقط، بل استهدفت مواعيد انتخابية في 13 دولة أفريقية.

إعلان

تعيش الساحة السياسية التونسية منذ أيام على وقع تحقيق أمريكي، كشف أن شركة مختصة في العلاقات العامة، قامت بحملة تضليلية عبر وسائل التواصل الاجتماعي لحساب جهة معينة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي تنافس في دورتها الثانية الرئيس المنتخب قيس سعيّد ونبيل القروي، بل واستهدفت مواعيد انتخابية في 13 دولة أفريقية من بينها النيجر والتشاد ومالي والسنغال وساحل العاج والكونغو برازافيل وجزر القمر.

وأنجز التحقيق من قبل وحدة "ديجيتال فورنسيك ريزوش لاب" DFRLab التابعة لمركز "أتلانتيك كاونسيل" الأمريكي بطلب من فيس بوك، وكان الغرض منه رصد شبكة من الحسابات الوهمية على مواقع التواصل، وظفت بحملات إلكترونية تضليلية في إطار ما اسماه التحقيق بـ"عملية قرطاج"، وتفكيكها.

وبلغ مجموع هذه الحسابات المئات، وقام فيس بوك بإغلاق 182 منها و446 صفحة و96 مجموعة، فضلا عن 209 حسابات على إنستاغرام، كلها "مرتبطة بشركة تونسية تدعى "يو ريبوتيشن"، ومقرها في تونس العاصمة"، يديرها فرنسي تونسي حسب ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية عن مصادرها.

كيف حاولت العملية التأثير في الرأي العام؟

اختارت "عملية قرطاج" منهجية خاصة في محاولة التأثير في أكبر عدد ممكن من الأشخاص، لأهداف انتخابية تحديدا كما يشرح ذلك المتحدث باسم فيس بوك، الذي أوضح أن الصفحات الموظفة في العملية، انخرطت "في تكتيكات خادعة لبناء رأي عام، بتوجيه اهتمامه من المواضيع غير السياسية إلى القضايا السياسية...".

وتلاعبت هذه الصفحات بجزء من الرأي العام عبر تطرقها في البداية لمواضيع جذابة مثل "السياحة ومقاومة وباء كوفيد-19" قبل أن تشرع في ممارسة الدعاية السياسية، حسب توضيحات موقع التواصل الاجتماعي الأزرق، حيث أكد أن هذه العملية استهدفت نحو أربعة ملايين ناشط على الإنترنت، "خارقة ميثاقه ضد التدخل في الشؤون الداخلية للدول".

وكشف التحقيق، الذي نشرته "ديجيتال فورنسيك ريزوش لاب" على موقعها، أن "عملية قرطاج" "مارست تأثيرها على العديد من الحملات الرئاسية الأفريقية، بما في ذلك دعم حملة إعادة انتخاب الرئيس التوغولي فور غناسينغبي في فبراير 2020، بالإضافة إلى دعمها حملة الرئيس السابق هنري كونان بيدييه المرشح للانتخابات الرئاسية في أكتوبر 2020 في ساحل العاج".

وعملت "حملة قرطاج" على التأثير في الحياة السياسية بمناطق أفريقية مختلفة عبر مواقع إلكترونية، أورد التحقيق منها: "مغرب أنفو" و"وغينيا أكتو" و"ريفو أفريك" و"الملاحظ التوغولي" و"لو مورونيان"، التي كانت تقدم على أساس أنها مواقع إخبارية، إلا أنها في حقيقة الأمر مواقع زائفة، لم تكن تشتمل على فريق تحرير مستقل بل كان محتواها يدار من قبل عاملين في "يو ريبوتشن" التونسية، ويقومون بنشر أخبار مضللة، وفقا لمركز البحث الأمريكي.

وكانت تونس هدفا لعملية مماثلة في مايو 2019، حذف على خلفيتها فيس بوك أكثر من 250 حسابا يعود لـ"أرشيميد غروب" Archimedes Group، وهي شركة إسرائيلية أنشأت صفحات وهمية في 13 دولة على الأقل بينها تونس.

العملية يمكن أن "تطيح" برؤوس كثيرة

بدا المحلل السياسي التونسي كمال بن يونس متريثا في تبني نتائج هذا التحقيق، باعتبار أنه يستلزم المزيد من الوقت للوقوف عند حقيقة خلاصاته، ويتطلب تحقيق قضائي مواز لتحديد ما إن كانت فعلا هناك جهات تونسية متورطة في القضية، إذ اعتبر في حديث لفرانس24 أن: "هناك مزايدات اليوم بين الأطراف السياسية، وكل طرف منها يحاول فرض أجندته على رئيس الجمهورية أو الحكومة". وهذا التحقيق، "يمكن أن يستغل اليوم في هذا الاتجاه" بحسبه.

وإذا تأكد ما جاء في التحقيق وعرفت الأطراف السياسية المستفيدة من "عملية قرطاج"، يقول بن يونس إنها: "ستطيح بالكثير من الرؤوس، التي تحاول أن تلعب دورا كبيرا في المرحلة المقبلة"، مؤكدا أنه "لا يمكن التقليل من الضغط الذي يمكن أن تمارسه وسائل التواصل على الجمهور والتأثير في اختياراته".

ويعتبر بن يونس أن حملات من هذا النوع يمكن أن "تغير موازين القوى على الأرض. وقد تساهم في ترجيح كفة جهة سياسية على حساب جهة أخرى. خاصة وأن هذه الحملات تلفق فيها تهم الفساد للخصوم".

شركات مضللة لا يخيفها المنع

وتقوم بهذه الحملات الإلكترونية عادة شركات مختصة في العلاقات العامة، يكون هدفها بالأساس ربحي، ولا تهتم بما يمكن أن تلحقه من أضرار سياسية بالديمقراطية في البلد المستهدف، وخاصة تلك التي تصارع الكثير من المشاكل لبناء نظام ديمقراطي خال من الشوائب كما هو الحال في تونس.

وتتحايل هذه الشركات للإفلات من العقاب والردع، بممارسات معروفة، تحدثت عنها "ديجيتال فورنسيك ريزوش لاب" DFRLab في خلاصات التحقيق أيضا، حيث أن تعرضها للحظر من الحضور على إحدى منصات التواصل، لا يمنعها من العودة إليها مجددا باسم جديد أو بتغيير مقر العمل من بلد إلى آخر.

 

بوعلام غبشي

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم