محنة الجامعة الأميركية في بيروت تهدّد مستقبل طلابها وموظفيها

إعلان

بيروت (أ ف ب)

يستعدّ علي لبدء سنته الثالثة في الجامعة الأميركية في بيروت وهاجس كلفة تعليمه الباهظة يلاحقه، بعدما بات قرض مصرفي استفاد منه لمتابعة تحصيله في مهبّ الريح وسط انهيار اقتصادي لم يسلم منه الصرح التربوي العريق.

منذ تأسيسها عام 1866 على يد مبشرين بروتستانت، تطوّرت الجامعة الأميركية في بيروت وتوسّعت لتصبح واحدة من أعرق جامعات المنطقة العربية. لكنها اليوم، وباعتراف رئيسها السادس عشر فضلو خوري، تواجه "أسوأ أزمة" في تاريخها دفعتها لاتخاذ قرار بالتخلي عن نحو ربع موظفيها البالغ عددهم 6500.

نال علي خلال عامه الأول منحة دراسية من الجامعة واستفاد من قرض دراسي من أحد المصارف لدفع 70 في المئة من تكاليف القسط، بينما توجّب على عائلته دفع مبلغ ستة آلاف دولار سنوياً.

لكن ما لم يكن في حسبانه أن يبلغه المصرف في كانون الأول/ديسمبر قرار تعليق قرضه الدراسي في خضم أزمة سيولة حادة وقيود مشددة فرضتها البنوك على العمليات النقدية.

ويقول علي الذي يملك والده صيدلية في الضاحية الجنوبية لبيروت، "بات عليّ أن أدفع 12 ألف دولار"، وإلا الانتقال إلى جامعة أقل تكلفة.

ويتابع "هوت القدرة الشرائية لوالدي (...) لكنه رغم ذلك لن يسمح لي بترك الجامعة الأميركية، فهو يبلغ 60 عاماً ولا يزال يعمل بجد".

ومنذ صيف 2019، تدهورت قيمة الليرة تدريجياً في السوق السوداء، وتخطّت في الأيام القليلة الماضية عتبة الستة آلاف أمام الدولار، فيما لا يزال السعر الرسمي مثبتاً على 1507 ليرات. ويعقّد هذا الواقع الكثير من التعاملات المالية في لبنان.

ويخشى علي أن يضطر في الفترة المقبلة لتوفير مبلغ كبير بالليرة في حال قررت إدارة الجامعة، على غرار مؤسسات كثيرة، اعتماد سعر صرف قريب من السوق السوداء. وقرّرت الجامعة اعتماد سعر الصرف الرسمي في دفعات الفصل المقبل، لكنها قد تضطر لتغيير ذلك بدءاً من الفصل الثاني إذا استمر تدهور الليرة.

- "تقليل الأثر" -

وتعدّ الجامعة الأميركية أحد أبرز معالم بيروت وشاهدة على حقبات تاريخية عدة. تمتدّ على مساحة واسعة مقابل الشاطئ وتضم مباني بعضها عمره من عمر الجامعة وأخرى تتميز بهندستها الحديثة وسط حدائق خضراء وملاعب رياضية في مدينة يغزو الباطون المسلح عمرانها.

على مدى عقود، استقطبت الجامعة طلاباً من أنحاء المنطقة العربية كافة. وكانوا في طليعة التحركات المطلبية والسياسية خلال حقبات تاريخية عدة. وخرّجت العديد من الشخصيات التي لمعت في مجالات عدة، بينها المهندسة المعمارية العراقية زها حديد والمؤلف الموسيقي والفنان اللبناني زكي ناصيف ورئيس الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية علي أكبر صالحي والرئيس الأفغاني الحالي أشرف غني.

ويستفيد اليوم أكثر من نصف طلاب الجامعة البالغ عددهم تسعة آلاف من منح دراسية.

وإثر اندلاع الاحتجاجات الشعبية الناقمة على الطبقة الحاكمة والمطالبة بتغييرها في 17 تشرين الأول/أكتوبر، انضمّ كثر من طلاب الجامعة إلى الحركة الطلابية التي نشطت في حينه. ورفعوا في تحركات عدة الصوت عالياً ضد احتساب قسط الجامعة بالدولار، خشية حصول انهيار أكبر في قيمة الليرة، وهو ما حصل فعلاَ.

في الفترة ذاتها، انتقل رئيس الحكومة الحالي حسان دياب من صفوف طاقم الجامعة الإداري والتعليمي إلى رئاسة الحكومة.

ويقول عميد الطلاب في الجامعة طلال نظام الدين لوكالة فرانس برس إن الأولوية في هذه الفترة العصيبة تكمن في "تحديد كيفية تقليل الأثر السلبي على العاملين والطلاب".

وحصلت الجامعة الأميركية، على غرار الجامعة اللبنانية الأميركية، الأسبوع الماضي على مساعدة بقيمة عشرة ملايين دولار من الحكومة الأميركية، ما يخوّلها الاستمرار في تأمين المنح لمئات الطلاب.

- العمل في الخارج -

وتجاوزت الجامعة الأميركية أزمات كثيرة مرّت على لبنان، سياسية وأمنية واقتصادية، بينها الحرب الأهلية (1975-1990)، التي اغتيل خلالها رئيس للجامعة وخُطف آخر.

ويقول رئيسها فضلو خوري لفرانس برس "إنها أزمة جديّة بامتياز. لم تضطر الجامعة الأميركية يوماً لصرف موظفين".

وأعلنت الجامعة مؤخراً أنها ستتخلى عن 20 إلى 25 في المئة من الوظائف فيها خصوصاً الإدارية، كما ستجمّد خطة توسّع طموحة كانت مقررة لمركزها الطبي.

ويؤكد خوري تمسّك الجامعة بالحفاظ على جميع الأساتذة والأعمال البحثية.

ويقول "إنه أفضل طاقم تعليمي من حيث تأثيره في المنطقة العربية ونوعية الإصدارات" التي يُعدها.

لكن لا يخفي أستاذان في الجامعة تحدّثت معهما فرانس برس، خيبة أملهما مما يصفاه بغياب للشفافية وصل إلى حد "أزمة ثقة". وقد دفعت الأزمة الأخيرة على حد قولهما عدداً من زملائهما إلى اتخاذ قرار بالمغادرة.

ويرجّح أستاذ علم النفس السياسي والاجتماعي شارل حرب أن "يتقدّم الأكثر تفوقاً للعمل في الخارج".

ولتخفيف عبء المصاريف على والده، تخلى أسامة (19 عاماً)، الطالب في هندسة المعلوماتية والاتصالات، عن تخصص إضافي في التجارة ليتمكن من إنهاء دراسته خلال أربع سنوات بدلاً من خمس.

ويقول "لم أعد أملك رغد الدراسة سنة إضافية (..) أريد أن أنتهي سريعاً لأبدأ العمل وأساعد عائلتي" بعدما خسر والده وظيفته العام الماضي.

ويستفيد أسامة منذ عامين من منحة دراسية بنسبة 35 في المئة، بينما عليه أن يسدّد سنوياً نحو 17 ألف دولار.

لكن اليوم ومع تغيّر سعر الصرف، يطمح بالحصول على مساعدة إضافية من الجامعة، وعينه على السفر بمجرّد تخرّجه.

ويقول "لو سألني أحدهم قبل عام، لكنت أجبت +أريد البقاء في لبنان+ لكن في النهاية، لم يعد الأمر مرتبطاً بما أريده وحدي".