وفاة قاض إيراني بظروف غامضة في رومانيا تثير غضب ناشطين حقوقيين

إعلان

باريس (أ ف ب)

أثارت الوفاة الغامضة لقاض إيراني سقط من طابق مرتفع في فندق حيث كان يقيم في بوخارست الأسبوع الماضي حفيظة ناشطين يرون أن ما حصل أضاع فرصة نادرة لجلب مسؤول إيراني رفيع إلى العدالة على خلفية الاشتباه بارتكابه انتهاكات حقوقية.

وعثرت الشرطة الرومانية على جثة غلام رضا منصوري في 19 حزيران/يونيو، حيث تشير الاحتمالات حتى الآن إلى أنه انتحر، وفق مصدر في الشرطة.

لكن الناشطين أعربوا عن غضبهم من عدم احتجاز شخصية بهذه الأهمية لتتم حمايته ومحاكمته في نهاية المطاف.

ويذكر أن منصوري (52 عاما) كان مطلوبا في طهران بتهم تتعلّق بتلقيه رشاوى بقيمة 500 ألف يورو (560 ألف دولار)، كجزء من قضية طالت مسؤولين كبارا تمّت محاكمة 22 شخصا في إطارها، بينهم المسؤول القضائي الرفيع السابق أكبر طبري.

وهرب منصوري من إيران العام الماضي، فتوجّه في البداية إلى ألمانيا ومن ثم رومانيا، في وقت صدرت مذكرة توقيف إيرانية بحقّه.

وأوقفته السلطات الرومانية في البداية لتسليمه قبل أن تطلق سراحه مع إخضاعه للرقابة القضائية.

لكن ناشطين في أوروبا طالبوا بالتحقيق بالانتهاكات الحقوقية التي ارتكبها عندما كان في منصبه والتي تركزّت على قضايا ثقافية وإعلامية.

وتقدّمت منظمة "مراسلون بلا حدود" التي تتخّذ من باريس مقرا بشكوى ضدّه بتاريخ 11 حزيران/يونيو لدى النيابة العامة في ألمانيا، وبعد يومين في رومانيا التي انتقل إليها آنذاك.

واتّهمته المنظمة بالوقوف وراء ملاحقة واعتقال وتعذيب صحافيين إيرانيين في إطار الحملة الأمنية التي نفّذتها السلطات الإيرانية عام 2013.

وقال المستشار الرفيع بشأن المنازعات القضائية الاستراتيجية الدولية لدى "مراسلون بلا حدود" أنتوان برنار إنّ "الوقائع ضدّه كانت هائلة"، مشيرا إلى وجود أساس قوي في القانونين الألماني والروماني لتقديم الشكاوى.

وذكر أن المنظمة جمعت شهادات من 20 صحافيا إيرانيا اتّهموا منصوري بالمسؤولية عن عمليات توقيف تعسفية واعتقالات ومعاملة "أقل ما يمكن وصفها هو أنها غير إنسانية ومهينة وتشمل التعذيب".

وقال لفرانس برس إن "مراسلون بلا حدود" "تشعر بالغضب" لوفاته ولقرار السلطات الرومانية عدم اعتقال منصوري، وذلك "من أجل حمايته من أي تهديد إيراني ومن نفسه".

- محاكمة منظومة بأكملها -

بدورها، أفادت منظمة "العدالة من أجل إيران" غير الحكومية أنها دعت الشهود للإدلاء بشهاداتهم بعدما علمت أن منصوري في أوروبا.

وكانت المنظمة جمعت شهادات من ثمانية أشخاص قالوا إنهم كانوا بين ضحايا القاضي.

وأفادت المديرة التنفيذية للمجموعة شادي صدر "يمكنني...تأكيد أن منصوري كان مسؤولا عن عدة عمليات توقيف تعسفية واعتقالات، عادة في الحبس الانفرادي، وإغلاق المشاريع التجارية عبر الإنترنت والمشاريع الناشئة وملاحقة عائلات الصحافيين والناشطين الإعلاميين".

لكنها قالت لفرانس برس إنها لم تحصل على أدلة بأنه مسؤول عن التعذيب وغير ذلك من الجرائم التي قد تتسبب بمقاضاته في ألمانيا أو رومانيا بموجب اختصاص قضائي عالمي، حيث تلاحق دولة ما متهما لجرائم ارتكبت في بلد آخر.

وأشارت صدر إلى أن ذلك يسلّط الأضواء على الصعوبات التي يواجهها الضحايا الذين يأملون بالحصول العدالة في الخارج "حيث مجال الملاحقة الجنائية ضيّق".

بدوره، أكد المحامي البريطاني كاوه موسوي الذي لعب دورا رئيسيا في توقيف نائب عام إيراني في السويد السنة الماضية بتهم تتعلّق بعمليات إعدام جماعية للسجناء في أواخر ثمانينات القرن الماضي، أن "نجاة (منصوري) من شبكة (القضاء) محبط للغاية".

وكان موسوي يعّد قضية ضد منصوري على أساس اتهامه باحتجاز عائلة سعيد كريميان "كرهائن" في السجن. وقتل كريميان، مؤسس شبكة "جم تي في" التلفزيونية بالفارسية في اسطنبول عام 2017.

وقال موسوي "لو أننا تمكّنا من إعادته ومحاكمته... أنا متأكد من أنه كان سيدان".

وتابع "لو أننا أدنّا هذا الرجل، ما كان سيكون بمقدور أي من أعضاء المنظومة القضائية الإيرانية الدخول إلى الاتحاد الأوروبي بعد ذلك".

وأكّد "خسرنا فرصة محاكمة المنظومة القضائية الإيرانية بأكملها".

- "تأثير الدومينو" -

واكتسب مبدأ الاختصاص القضائي العالمي أهمية بالغة في السنوات الأخيرة، خصوصا في إطار الحرب السورية التي نجم عنها تحوّل المتّهمين بالاضطهاد والضحايا إلى لاجئين في أوروبا.

وتمّت محاكمة شخصين يشتبه بأنهما كانا ضابطين سابقين في الاستخبارات السورية في ألمانيا في نيسان/أبريل بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، في أول قضية في المحاكم تتعلّق بتهم التعذيب الذي تمارسه السلطات السورية.

وتعهّدت "مراسلون بلا حدود" بأن وفاة منصوري، مهما كانت أسبابها، لن تردع المنظمة عن ملاحقة منتهكين لحقوق الإنسان من إيران وغيرها.

وقال برنار "نحض المدعين على التحرّك بشكل أسرع في حالات كهذه".

وأما بالنسبة لصدر، فتكمن الخسارة الأكبر من وفاة منصوري في ضياع فرصة الاستماع لكيفية عمل المنظومة القضائية في إيران من شخص كان في صلبها.

وقالت "لو أنه بقي في أوروبا وتحدّث علنا، لكان لمنصوري أن يتحوّل إلى شخص تحمل اعترافاته تأثير الدومينو على مرتكبين آخرين (لانتهاكات من أفراد السلك القضائي الإيراني) للكشف عن معلومات" في هذا الإطار.